Table of Contents
لعلها ليست مجرد “تعديل مزاج” أو طقس صباحي عابر يمارسه الملايين حول العالم؛ فتلك الرشفة الساخنة من القهوة أو الشاي قد تحمل في طياتها درعاً خفياً يحمي الدماغ من أعتى خصومه مع تقدم العمر. إنه خبر سار لعشاق الكافيين، حيث تشير بيانات علمية جديدة وطويلة الأمد إلى أن استهلاك هذه المشروبات باعتدال لا يوقظ الحواس فحسب، بل قد يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الإصابة بالخرف.
معادلة الاعتدال والذاكرة
في تحليل شامل نُشر مؤخراً في “دورية الجمعية الطبية الأمريكية” (JAMA)، وجد الباحثون أن تناول كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة المحتوية على الكافيين، أو كوب إلى كوبين من الشاي يومياً، يرتبط بأدنى معدلات الإصابة بالخرف مقارنة بمن يمتنعون تماماً عن هذه المشروبات. وتبرز هذه النتائج أهمية “الجرعة المعتدلة”، إذ لم يُظهر الاستهلاك المفرط (أكثر من ذلك) أي فوائد إضافية في خفض المخاطر.

اللافت في الدراسة هو غياب هذا الارتباط الوقائي عند تناول القهوة منزوعة الكافيين (Decaf)، مما يلمح إلى الدور المحوري الذي قد يلعبه الكافيين أو المركبات المرتبطة به في هذه العملية البيولوجية المعقدة.
عقود من المراقبة والتحليل
لم تكن هذه النتائج وليدة صدفة أو دراسة عابرة، بل استندت إلى قاعدة بيانات ضخمة تمتد من ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2023. اعتمد الباحثون على بيانات من “دراسة صحة الممرضات” و”دراسة متابعة المهنيين الصحيين” في الولايات المتحدة، وشمل التحليل أكثر من 130,000 مشارك لم يكن لديهم أي تاريخ سابق للإصابة بالسرطان، أو مرض باركنسون، أو الخرف عند بدء الدراسة.
قام المشاركون بتحديث بياناتهم الغذائية كل بضع سنوات، بينما تتبع الباحثون حالات الخرف الجديدة من خلال السجلات الطبية وشهادات الوفاة. وقد أظهرت الأرقام تبايناً واضحاً؛ فبينما سُجلت 330 حالة إصابة جديدة بالخرف لكل 100,000 شخص سنوياً بين من لا يشربون القهوة نهائياً، انخفض هذا الرقم إلى 229 حالة فقط بين المستهلكين المعتدلين.
وحتى بعد إجراء تعديلات إحصائية دقيقة لعوامل أخرى مثل العمر والتدخين (حيث كان مستهلكو القهوة بكثرة أصغر سناً وأكثر ميلاً للتدخين)، ظل التأثير الوقائي ثابتاً، حيث انخفض خطر الإصابة بنسبة تتراوح بين 18% و19% لدى المجموعات التي تستهلك القهوة باعتدال أو بنسب عالية.
ما السر خلف الكوب؟
رغم أن الدراسة لم تكن مصممة لتحديد السبب والنتيجة بشكل قاطع، إلا أن العلماء يطرحون فرضيات قوية لتفسير هذه العلاقة. يُعتقد أن الالتهاب (Inflammation) يلعب دوراً رئيسياً في تطور أمراض الخرف وتدهور الخلايا العصبية. وهنا يأتي دور الكافيين، الذي أشارت أبحاث سابقة إلى قدرته على تقليل الالتهاب.
علاوة على ذلك، تحتوي حبوب القهوة وأوراق الشاي على مركبات نشطة بيولوجياً قد تساعد في كبح “الإجهاد التأكسدي” (Oxidative stress)، وهو عملية كيميائية تؤدي إلى تلف الخلايا بمرور الوقت. وعلى الرغم من أن فريق الدراسة لم يتوفر لديه معلومات دقيقة حول ما إذا كان الشاي المستهلك يحتوي على الكافيين أم لا، إلا أن النتائج الإيجابية لمستهلكي الشاي تصب في نفس الاتجاه.
نظرة مستقبلية لنمط حياتنا
من المهم التأكيد على أن النظام الغذائي وتأثيره على الدماغ هو معادلة معقدة لا يمكن اختزالها في كوب من القهوة فقط. ومع ذلك، تقدم هذه الدراسة دليلاً إضافياً مطمئناً لملايين الأشخاص؛ فعادتهم الصباحية قد تكون جزءاً من استراتيجية وقائية أوسع.
لا يعني هذا بالضرورة دعوة لغير المدخنين أو غير المعتادين على الكافيين للبدء في شربه فوراً، ولكن لمن يستمتعون بالفعل بقهوتهم أو شايهم اليومي، يمكنهم الآن ارتشافها بشعور أكبر بالرضا، مع العلم أن أدمغتهم قد تكون ممتنة لهذه الجرعة المعتدلة.