جاك دوفال* – (أوبِن ديمُكراسي) 20/2/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كل كتاب مطبوع هو آلة زمنية وجهاز استماع للآخرين في آن. ونحن بحاجة إلى الكتب الآن أكثر من أي وقت مضى.

  • * *
    يقوم الانتقال من اللغة المكتوبة والنصية إلى الصور الإلكترونية في نقل المعلومات من خلال وسائل الإعلام والنشر بتغيير الطريقة التي نستوعب بها المعرفة ونكتسب الفهم. وهو يعرض للخطر أيضاً الاحتفاظ بالمحتوى التحليلي والسردي حول التطورات المعقدة في مجتمعنا، واقتصادنا، وبيئتنا وغيرها من الأنظمة التي تدعم نسيج طريقة عيشنا والكيفية التي نحافظ بها على موئلنا.
    للصور في مقاطع الفيديو والوسائط الرقمية في أحسن الأحوال قيمة ثانوية في التعلُّم، لأنها توضح بدلاً من أن تفسر الأسباب والعمليات، ولأنها غالباً ما تفي بالاحتياجات الحسية من دون إشباع حاجتنا الأكبر إلى فهم الأحداث والكيفيات التي تعكس بها تداعيات قرارات سابقة.
    إننا نعيش الآن لحظة تاريخية مصيرية: فنحن ما نزال قادرين على الحد من التأثيرات العالمية التراكمية لمائة وستين عاماً من التصنيع الكيميائي والصناعي على طريقة عيشنا، وعلى الأنواع الحية الأخرى، وعلى الغلاف الجوي والمحيطات. لكننا لم نعد قادرين، من خلال وسائط الإعلام، على أن نعزز بفعالية قدرة معظم المواطنين على فهم هذه الظروف وتغييرها، بحيث نتمكن من حماية محيطنا الحيوي وتوسيع خياراتنا للعيش في المستقبل بدلاً من تضييقها.
    حدث أكبر توسع في القدرات المعرفية لدى البشر في الأعوام الألفين الماضية منذ ما يزيد قليلاً على 300 عام في منتصف القرن السابع عشر، عندما وسّع أول توزيع جماعي مساحة تفكيرنا وإدراكنا. وقد حدث ذلك لأن القراءة الجماعية للكتب مكنت الأفراد من استيعاب القصص والأفكار من تلقاء أنفسهم، وتعليم أنفسهم وبعضهم بعضاً.
    باختصار، خرجنا من عالم كانت فيه المعلومات تأتي أساساً من الوالدَين والأصدقاء والجيران، ودخلنا عالماً يمكن لأي شخص فيه تعلَّم القراءة أن يقوم بتعليم الآخرين وإثرائهم، بشكل غير رسمي أو مهني. وعلى الرغم من أن الحروب وفترات الكساد حدَّت في بعض الأحيان من توسع الإعلام والنشر، بدا الآن فقط، في أوائل القرن الحادي والعشرين، أن توافر الكتب وقراءتها أصبحا يشهدان تراجعاً.
    إن الكتاب المطبوع لا يتدفق ولا يتكلم. إنه مستودع يدوي محمول للمعرفة، والذي يمكنّنا من وضع أنفسنا في مكان أشخاص آخرين عاشوا عبر التاريخ وفي جميع أنحاء العالم وتمثل خبراتهم. إنه في الوقت نفسه آلة زمن وجهاز استماع إلى أفكار الآخرين. وكل كتاب مطبوع هو دليل ملموس على أن بالوسع العثور على العالم -بل على الكون كله- في مكتبة.
    من العام 1992 إلى العام 2002 في الولايات المتحدة، مع توسيع برامج تلفزيون الكيبل، زاد عدد البالغين الأميركيين الذين لا يقرأون بمقدار 17 مليون شخص. وفي العام 1993، انخفض عدد الكتب التي تُشترى في الولايات المتحدة بمقدار 23 مليون في عام واحد. ومن العام 1994 إلى العام 2014، انخفض عدد محلات بيع الكتب في أميركا بنسبة 50 في المائة. وفي العام 2016، بلغت نسبة البالغين الأميركيين الذين لا يستطيعون القراءة 14 في المائة. هذه هي الأخبار السيئة.
    أما الأخبار الجيدة، فهي أن الانخفاض في قراءة الكتب شرع في التراجع على ما يبدو. ووفقاً لمركز بيو للأبحاث، فإن عدد الأميركيين الذين يقرأون كتاباً واحداً على الأقل كل عام لم ينخفض من العام 2012 إلى العام 2016، وقد قرأ 65 في المائة من الأميركيين كتاباً مطبوعاً واحداً على الأقل في العام 2015. أما إذا كان هذا مجرد وقفة قصيرة قبل أن تحل الأجهزة الإلكترونية ووسائل الإعلام الجديدة محل قراءة المزيد من الكتب، فهو ما لا نعرفه حتى الآن. ولكن، ربما ما يزال هناك وقت لإدارة السهم في الاتجاه الصحيح.
    كملاحظة عامة، إذا كنا نشعر بالرضا عن أنفسنا ولم نتصرف لتجنب أن نصبح أقل تعليماً وأقل معرفة كمجتمع، فإن علينا عندئذٍ أن نفعل شيئاً للتعويض عن انخفاض قدرة المواطنين في الدول الديمقراطية على اتخاذ خيارات فعالة بخصوص الزعماء. وما لم نمنع حدوث ذلك، فيحتمل أن نشهد زيادة في نسبة الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والاستغلالية في جميع أنحاء العالم -وربما حتى في المجتمعات الديمقراطية القائمة منذ وقت طويل.
    علاوة على ذلك، وما لم يتم عكس اتجاهه، فإن التراجع التاريخي في قراءة الكتب والمناقشة الموضوعية للمشاكل العامة يمكن أن يعجل بنقصان المعلومات الموضوعية والشمولية، ويحول دون حصولنا على خطاب ذي معنى في حياتنا معا، ويوسع بطريقة مصطنعة ارتياحنا للخطابة الميلودرامية والإغاثة العرَضية -حيث يكشف عدد أقل منا عن مسؤولية متحضرة ونضج اجتماعي معقول. وإذا لم نفهم مشاكلنا الحقيقية، خاصة إذا استوعبنا معلومات كاذبة تُروّج عمداً بشأنها، فإن مجتمعاتنا ستكون أقل احتمالاً للاحتفاظ بتماسكها وزخم حركتها إلى الأمام.
    بدلاً من تعزيز فهمنا للتغييرات التي تمس الحاجة إليها -والذي يتم تشجيعه ونشره عن طريق التعلم من خلال النصوص الموضوعية والإعلام المطبوع- سوف يقلل الانخفاض التدريجي للفهم السياسي والاجتماعي من قدرتنا على انتخاب قادة جيدين والحفاظ على حقوقنا وحرياتنا.
    ولا يتعلق هذا بالكتب أو الصحف بحد ذاتها. إنه يتعلق بالمحتوى الحيوي والضروري الذي ما تزال تقدمه الكتب والصحف لتوفير مساحة استطرادية متنامية، والتي تغذي الاحترام المتبادل والقضية المشتركة. وقد أصبح هذا الآن تحت الضغط -إن لم يكن تحت الهجوم المباشر. قال هنري ديفيد ثورو ذات مرة: “بدلاً من الحب؛ من المال؛ أو من الشهرة، أعطني الحقيقة”. ولذلك نحن بحاجة إلى الكتب والصحف وغيرها من مواد الإعلام المطبوعة التي تقدِّر الحقيقة، ومعها، تخلق أجيالاً جديدة من القراء، والكتاب، والمستمعين.

*كبير المستشارين والمدير المؤسس للمركز الدولي للصراعات غير العنيفة إلى جانب الرئيس المؤسس بيتر أكرمان. وهو المنتج التنفيذي للمسلسل التلفزيوني المكون من جزأين والذي عرضته محطة PBS، ورُشح لجائزة إيمي، “قوة أكثر قوة” A Force More Powerful، وهو المؤلف المشارك لكتاب مصاحب يحمل الاسم نفسه (مطبعة بالغريف/ سان مارتن 2001).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Books and the future of understanding