أفنان أبو عريضة

عمان- السؤال الذي يسيطر على تفكير الطلاب وذويهم على مدار حياتهم التعليمية، ولا سيما أثناء الثانوية العامة: ما هي التخصصات التي ستضمن لأبنائنا مهناً مستقرةً للمستقبل وتوفر لهم حياةً كريمة ومرضية؟ لكن ما نغفل عن إدراكه نحن وغيرنا من الأشخاص في أيّ مكان في العالم اليوم، هو أننا نحن البشر ولأول مرة في تاريخنا نجهل تماماً ما يحمله لنا المستقبل القريب، بسبب السرعة الهائلة التي يتغير فيها العالم بفعل الثورة التكنولوجية. لكن هذا لا يعني أنه ليس بوسعنا التكهن.
والتكهن هو تماماً ما قام به المؤرخ والمفكر يوفال نوح هراري، والذي يعتقد أن ضمن التغيرات العديدة المحتمل وقوعها خلال العقود المقبلة، توجد حقيقة لايمكن إنكارها، إذ إن آثار هذه الحقيقة بدأت بالظهور، وليس من وقت بعيد.
فاستبدال الآلات أو بمعنى أدق الخوارزميات المعقدة لغالبية المهن التي نقوم بها أصبح واقعاً. والنتيجة هي تَشكل طبقة جديدة في المجتمعات، الطبقة عديمة الفائدة. قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال العلمي والفانتازيا، إلا أن هذا هو واقع سوق العمل منذ عقود. فمثلاً عدد الموظفين في البنوك اليوم أقل من أي وقت مضى، والفضل يعود إلى استبدال موظفي المعاملات الفورية بالصراف الآلي وخدمات البنوك الإلكترونية، لم تعد البنوك بحاجة إلى توظيف العديد من الموظفين للقيام بأعمالها بكفاءة وسرعة أكبر.
ويتوقع تقليص الطلب على 100,000 وظيفة في المجال المصرفي خلال الخمس أعوام المقبلة في الولايات المتحدة وحدها. ويقارن هراري بين الثورة الصناعية التي تسببت بظهور الطبقة العاملة التي ينتمي إليها غالبية البشرية اليوم، وبين الثورة التقنية التي نعيش بدايتها اليوم، والتي يتوقع هراري تسببها بنشوء طبقة ليست فقط عاطلة عن العمل بل لا يمكنها العمل.
هناك عدة أسباب لتشكل هذه الطبقة من ملايين البشر الذين لا مكان لهم في اقتصاد المستقبل.
أولها، هو وصول البشر إلى مرحلة التخصص المهني؛ أي ايجاد نظام وظائف متخصصة ليقوم بها متخصصون في مجالات محددة. في حين كان أسلافنا البدائيون يتقنون العديد من المهن والمهارات للبقاء على قيد الحياة، فكان الواحد منهم يقوم بالصيد والزراعة وصناعة الأسلحة والعلاج بالأعشاب وغيرها في الآنِ ذاته.
أما التخصص المهني السائد اليوم فسوف يشكل عائقاً في وجه تأقلم الأجيال الناشئة مع مهن المستقبل. والتي يتوقع أن تتجدد وتتغير بوتيرة أعلى وأكثر حدة من الوقت الحالي، إذ سيتطلب من المهنيين الاستمرار في التعلم ودمج مجالات وعلوم متعددة ومتجددة إلى وظائفهم. سبب آخر، هو أن ما يتعلمه الأطفال في المدارس اليوم سوف يكون بلا فائدة لهم بعد40 عاما، إذ إن النظام التعليمي اليوم حول العالم هو ذات النظام المتبع منذ القرن التاسع عشر والذي لا يمكنه إخراج أجيال على درجة عالية من الابتكار والمرونة وقابلية التعلم المستمر. بمعنى آخر؛ يفتقر تعليم اليوم إلى ما تتطلبه مهن المستقبل بالدرجة الأولى.
والسبب الأهم، هو أنه لا يوجد الكثير من المهن التي لا يمكن أن يستبدلها الذكاء الاصطناعي. وهذا يتعارض مع الفكرة السائدة بأن هناك أعمالا تحتاج إلى العنصر البشري لتتم على أكمل وجه. فكان يُعتقد أنه لن تستطيع الآلات تمييز الوجوه كما يفعل طفل رضيع بتلقائية بشرية، إلا أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الآن تمييز الوجوه بدقة تناهي أي قدرة بشرية. ففي البداية قامت التكنولوجيا باستبدال الوظائف اليدوية في صناعة كل شيء تقريباً، أما اليوم تستبدل التكنولوجيا الوظائف الذهنية والاجتماعية أيضا. حيث أوجدت دراسة أقامها علماء في جامعة أكسفورد العام 2013 أنه خلال الـ20 سنة المقبلة ستصبح 47 % من الوظائف في أميركا معرضة بشكل كبير إلى الاستبدال تقنياً. وأكثر الوظائف عرضة للاختفاء هي وظائف قطاعات التعليم والصحة والنقل والأمن. وأن أكثر الوظائف آماناً هي علم الآثار؛ وليس لصعوبة تحويلها إلى وظيفة تقنية، بل لأنه لا توجد أي عوائد مالية من قيام الحكومات والمؤسسات بالاستثمار فيها.
ومن الصحيح أن في مقابل اختفاء العديد والعديد من الوظائف ستتشكل وظائف جديدة تتناسب مع الواقع التقني وتتماشى معه. إذن ما المشكلة؟ المشكلة ليست بإمكانية إيجاد وظائف جديدة بل بإيجاد وظائف جديدة يستطيع أن يقوم بها البشر بشكل أفضل من الآلات. إذ إن 99 % من المزايا البشرية التي نمتلكها لن تكون ذات فائدة عند الحصول على وظيفة مستقبلاً، سيكون علينا منافسة الذكاء الاصطناعي بالمزايا المفيدة المحدودة التي نمتلكها. إضافة إلى ذلك، قد تتمكن التكنولوجيا من تأمين حياة مريحة لغالبية البشر دون الحاجة إلى امتلاك وظائف أو القيام بأي عمل مستدام. وكيف سيقضي الناس أوقاتهم؟ في إدمان ألعاب الفيديو؟ ربما، وربما سيكون العالم الافتراضي الذي تنتمي إليه السوشيال ميديا أكثر جاذبية وإرضاءً من العالم الواقعي، والذي من شأنه أخذ إدمان السوشيال ميديا إلى مستويات جديدة تماماً.
ومن تبعات تشكل هذه الطبقة عديمة الفائدة من البشر هو أن هؤلاء الأفراد لن يخسروا فقط مكانتهم الاقتصادية بل والسياسية أيضاً. إذ بامتلاك فئة صغيرة من السكان سبل التحكم في التكنولوجيا التقنية، سوف تمتلك هذه الفئة سلطة أكبر من أي مجموعة أخرى على الأرض، مسببة فجوة اقتصادية وسياسية أكبر وأكثر توغلاً. إن فرصة أطفالنا في تأمين حياة اقتصادية وربما اجتماعية آمنة وعدم الانزلاق نحو طبقة عديميّ الفائدة، هي من خلال اكتسابهم مميزات ومهارات تقنية وإبداعية تمكنهم من الانخراط في الثورة التقنية اليوم قبل الغد.