د. محمود البازي
أجرت حركة طالبان محادثات مطولة مع بعض دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية في قطر. وصفت هذه الدول المحادثات بالصريحة والمثمرة. طالب وفد طالبان الحكومات الغربية بإزالة الحظر عن الأموال الأفغانية المجمدة في الخارج، وفي المقابل طالبت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بممر آمن للأمريكيين للخروج من أفغانستان كما طرحت ملف حقوق الإنسان وحقوق النساء على طاولة المفاوضات.
يكرر المسؤولون الغربيون جملة واحدة وهي سنحكم على طالبان من خلال أفعالها وليس أقوالها، ويطالبون الحركة باحترام حقوق الإنسان وحقوق النساء، والسؤال هنا هل تحترم هذه الدول حقاً حقوق الإنسان؟
أولاً وقبل كل شيء إننا هنا لا ندافع عن حركة طالبان ولا نذمها، كما نحثها بحق على احترام حقوق الإنسان وحقوق النساء التي أكدت الشريعة الإسلامية على احترامهما. إننا في هذه المقالة نعالج قضية مختلفة وهي مفهوم حقوق الإنسان من وجهة نظر الدول الغربية والولايات المتحدة.
إن مصطلح حقوق الإنسان يختلف في القاموس الغربي بحسب “الإنسان نفسه”، فإذا كان هذا الإنسان غربياً فعلى الجميع احترام حقوقه وعدم المساس به. أما إن كان هذا الإنسان مسلماً أو عربياً فهذا لا حقوق له ولا احترام له.
جميعنا شاهد مشاهد الذعر عند الفرار الأمريكي من أفغانستان وكيف أن مجموعة من الشباب الأفغان تعلقوا بجناح الطائرات الهاربة. لم يخرج مسؤول واحد يقدم الاعتذار لهذه المشاهد المذلة والتي جرحت مشاعر ملايين الناس حول العالم. لم يشرح هؤلاء المسؤولون السبب الذي دفع هؤلاء إلى الهرب بهذه الطريقة. ولم يشرحوا لماذا لم يحولوا دون إقلاع الطائرات قبل التأمين على سلامة المتواجدين هناك.
بعد تفجير مطار كابول، الذي راح ضحيته أكثر من 175 مدني أفغاني وحوالي 13 من الجنود الأمريكيين، قامت القوات الأمريكية بتنفيذ غارتين جوتين للقضاء على تهديد وشيك من قبل الدولة الإسلامية (داعش) بحسب وصف القيادة الأمريكية الوسطى. في الحقيقة لم تكن هذه العمليات سوى عمليات انتقامية وحسب. فقد تبيّن فيما بعد بأنّ ضحايا هذا الهجوم الأمريكي لم يكونوا سوى مدنيين، وراح ضحية هذا الهجوم أكثر من 10 مدنيين بينهم 6 أطفال.
قدم الأمريكيون الاعتذار لأهالي الضحايا ووصفوا العملية بالخطأ، تُرى كم هو عدد العمليات الخاطئة التي نفذتها الولايات المتحدة ضد العرب والمسلمين؟ وكم هم عدد الضحايا المدنيين الذين راحوا ضحية لهذه العمليات؟
ألا يحق لنا نحن شعوب الشرق الأوسط أن نطالب بإقرار قانون يشبه القانون الأمريكي “جاستا” والذي ابتزت فيه الولايات المتحدة السعودية لسنوات بحجة تعويضات ضحايا الحادي عشر من سبتمبر؟!!
ألا يحق لنا المطالبة بتعويضات تبلغ مليارات الدولارات عن الجرائم التي تمّ ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق، سوريا وفلسطين وأفغانستان وغيرها من الدول العربية والمسلمة؟
كل ما ورد أعلاه هي أسئلة مشروعة يحق لنا طرحها ويجب أن يجيب عليها المسؤولون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.
نختم بهذا المثال المؤلم وهو أن القوات البريطانية بحسب “صحيفة الغارديان البريطانية” قتلت أكثر من 86 طفل وأكثر من 200 مدني بالغ عن طريق الخطأ أو أثناء العمليات العسكرية في أفغانستان. في بعض الأحيان دفعت القوات البريطانية مبلغ 104 جنيه إسترليني لقاء وفاة مؤكدة في مقاطعة هلمند الأفغانية ودفعت ما يقارب 586 جنيه إسترليني لعائلة أفغانية جراء وفاة طفلها ذو 10 سنوات. وقد بلغ التعويض عن الحيوانات في بعض الأحيان مبلغا أكبر من التعويض عن الإنسان.
ما علينا سوى مقارنة الأرقام التي تحصل عليها عائلات اعتداءات سبتمبر والأرقام التي يحصل عليها الضحايا الأفغان كي نعلم عمق الفاجعة ومدى اختلاف مفهوم حقوق الإنسان في القاموس الغربي عن المعنى الواقعي له. ما نطالب به اليوم هو ليس تعويضات كبيرة لعائلات الضحايا (وإن كان ذلك حقهم المشروع) وإنما نطالب بمساواة في مفهوم حقوق الإنسان وأن يكفوا عن قتلنا وحسب.
كاتب سوري
albazimahmoud@gmail.com
Source: Raialyoum.com