هآرتس

جدعون ليفي

23/2/2020

يجب أن نشكر سائق الجرافة العسكرية الذي انقض أول من أمس على شوارع كفر قدوم، ويجب حتى الثناء عليه: لقد رسم للإسرائيليين والعالم صورة دقيقة بدرجة مدهشة عن الواقع. شاهدوا الفيلم القصير الذي انتشر في الشبكات الاجتماعية: هذا هو الاحتلال. هكذا يبدو. هكذا يتصرف. مدمر وعنيف ومنفلت العقال. يصعب التفكير بصورة أكثر وضوحا من هذه الآلة، التي تسير بشكل وحشي في شوارع قرية فلسطينية، وتندفع نحو الجمهور الهارب الذي يريد النجاة بحياته، وانسوا البراعة اللغوية: هذه الجرافة تتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أكثر من أي متحدث بليغ. انسوا الكورونا: هذا هو الوباء الحقيقي، هناك الملايين ممن يحملونه في إسرائيل.
كفر قدوم هي من القرى الفلسطينية الأخيرة التي ما تزال تناضل. فهم يحاربون هناك في كل أسبوع من اجل الشارع الرئيسي الذي تم اغلاقه بسبب مستوطنة كدوميم. فيلم قصير مدته تسع دقائق صوره سكان القرية أول من أمس يظهر عشرات الشباب الغاضبين والشجعان الذين يرشقون الحجارة على الجنود الذين يطلقون قنابل الغاز المسيلة للدموع عليهم. رقصة الموت. ولدان تم اطلاق النار على رأسيهما هنا مؤخرا. الجنود يطلقون النار، الشباب ينسحبون، مقلاع داود أمام قاذف القنابل، مع يونتان بوليك مرة أخرى بشرى المعارضة، وصراخ مرير في الخلفية. بعد ذلك تظهر الجرافة، التي تندفع بسرعة بين المتظاهرين. ومن مكان جلوسه المرتفع والمحصن لا يمكن للسائق أن يميز اذا كان يدهس شخص في طريقه. لا يبدو أن هذا الأمر يقلقه. فليس الذي أمامه من بني البشر. أمامه فلسطينيون.
عندما يتعاملون هكذا مع المتظاهرين في إيران فان إسرائيل ترتدي قناع الصدمة. فالجيش الإسرائيلي مسموح له. إذا تعثر شخص اثناء الهرب فانه يقوم بدهسه حتى الموت ولا يشعر برجفة في جناح جرافته. لم يكن أحد ليطلق على ذلك عملية دهس. العنف هو فقط فلسطيني. وبالنسبة للسائق يوجد قطيع أمامه يجب صده. ايضا الحيوانات ممنوع صدها بهذا الشكل. ولكن هنا كفر قدوم. هذا هو الاحتلال وهذه طرق عمله. يجب علينا عدم الاحتجاج على الجندي. لا توجد طرق أخرى لتعزيز الاحتلال وقمع المعارضة المبررة التي يثيرها.
هذه الجرافة ليست طائرة متقدمة تقوم بقصف غزة. وليست صاروخ ذكي يعرف كيفية اختراق غرفة النوم. الجرافة في نهاية المطاف هي جرافة. جرافة تم اعدادها لهدم البيوت وشق الشوارع. ولكن سائقها ايضا بالتأكيد يتفاخر بخدمته العسكرية. يجب على شخص ما أن يقوم بالعمل. أول من أمس قرر تعليم اهالي كفر قدوم درسا. كم من الحجارة ستصيب جسم الجرافة. وكم من الاطارات ستشتعل في كفر قدوم حتى يتعلموا.
من سبقه في المنصب سموه الدب الكردي. اسمه كان موشيه نسيم. ولكن في شبكة اتصالات الجيش الإسرائيلي في مخيم جنين كان لقبه الدب الكردي. الأيام ستعود. الكردي قام بتخريب المخيم، على مدار 75 ساعة جلس في جرافة “دي 9” ومحا عن سطح الارض 530 بيت للاجئين هو واصدقاءه. وقد قال إنه استمتع بكل لحظة. وقد آلمه فقط أنهم لم يتركوه ينهي العمل. في 31 أيار 2002، في ذروة عملية “الدرع الواقي” نشرت “يديعوت احرونوت” الحوار الذاتي للدب كردي. انتقام جرافته عكس رياح تلك الفترة. وهذه الرياح تهب الآن ايضا. ربما تبجح عبثا، وربما تحدث بصراحة، وهو يرفع علم بيتار القدس على الجرافة، وزجاجة ويسكي في قمرة السائق واغنية يرددها في قلبه. أراد كردي أن يحول المتعرج الى مستقيم وأن يحول مخيم اللاجئين الى ستاد تيدي. رغبته تحققت بشكل جزئي، ووحدته حصلت على وسام.
“ثلاثة ايام محيت ومحيت. لم أشاهد أي أشخاص أحياء يسقط البيت عليهم. ولكن لو أن هذا حدث فانه لم يكن ليمنعني. أنا متأكد من أن هناك اشخاص ماتوا في البيوت. ولكن كان يصعب مشاهدة ذلك. كان هناك الكثير من الغبار. وأنا كنت أستمتع برؤية كل بيت تم هدمه. لأنني عرفت أن الموت لا يهمهم – البيت يؤلمهم أكثر. عندما تهدم بيت فأنت تدفن 40 – 50 شخصا نهائيا. لقد كنت راضيا جدا واستمتعت جدا”. تراث الجيش الإسرائيلي أول من أمس مرة اخرى تبين أنه لم ينته”.