
انفجارات نووية متطرفة.. ثقوب سوداء تمزق نجوماً عملاقة
رصد العلماء فئة جديدة من الانفجارات الكونية تفوق في سطوعها المستعرات العظمى، ناتجة عن التهام ثقوب سوداء لنجوم ضخمة. تطلق هذه الأحداث في عام واحد طاقة تعادل ما تنتجه الشمس طوال حياتها.
Share your love
تخيل أن تجمع كل قطرة طاقة أنتجتها شمسنا منذ ولادتها، وتضيف إليها كل ما ستنتجه حتى وفاتها بعد مليارات السنين، ثم تطلق هذه الطاقة الهائلة دفعة واحدة في عام واحد فقط. هذا السيناريو ليس ضرباً من الخيال العلمي، بل هو وصف دقيق لفئة جديدة ومرعبة من الانفجارات الكونية التي رصدها العلماء مؤخراً، والتي تفتح نافذة غير مسبوقة لفهم شهية الثقوب السوداء العملاقة.
نهاية درامية للنجوم العملاقة
لطالما عرف الفلكيون أن النجوم الضخمة ترحل عن عالمنا بطرق استعراضية، لكن ما كشفته دراسة حديثة نشرت في دورية Science Advances يتجاوز كل التوقعات المألوفة. لقد حدد الباحثون صنفاً جديداً من الظواهر الفلكية أطلقوا عليه اسم «العوابر النووية المتطرفة» (Extreme Nuclear Transients أو اختصاراً ENTs)، وهي انفجارات تفوق في سطوعها وطاقتها أي ظاهرة عابرة أخرى لتغير السطوع في سماء الليل.
يوضح جيسون هينكل، عالم الفلك في جامعة هاواي في مانوا، حجم هذه الظاهرة قائلاً: «في غضون عام واحد فقط، تطلق هذه العوابر طاقة تعادل ما تنتجه شمسنا طوال حياتها الممتدة لعشرة مليارات عام». هذه الكميات المهولة من الطاقة تشير إلى أن الجاني ليس مجرد نجم ينفجر ذاتياً، بل هو ضحية كونية وقعت في فخ جاذبية لا يرحم.
رقصة الموت والتمزق المدي
لفهم ما يحدث، يجب أن ننظر إلى ما يعرف بـ «أحداث التمزق المدي» (Tidal Disruption Events). تحدث هذه الظاهرة عادة عندما يقترب نجم – غالباً ما تكون كتلته أقل من ضعف كتلة الشمس – مسافة خطيرة من ثقب أسود هائل. تتغلب جاذبية الثقب الأسود على قوى تماسك النجم، مما يؤدي إلى تمزيقه وشده كخيوط المعكرونة في عملية عنيفة، حيث يبتلع الثقب الأسود جزءاً من مادة النجم بينما يسخن الجزء الآخر ليطلق إشعاعات من الأشعة السينية والضوء فوق البنفسجي.

لكن «العوابر النووية المتطرفة» تختلف في الحجم والوحشية. فبدلاً من النجوم العادية، تتضمن هذه الأحداث نجوماً عملاقة تتراوح كتلتها بين 3 إلى 10 أضعاف كتلة الشمس، تقع ضحية لثقوب سوداء تبلغ كتلتها حوالي 250 مليون مرة ضعف كتلة الشمس. هذا المزيج من الضحية العملاقة والمفترس الهائل هو ما يولد ذلك السطوع الاستثنائي الذي حير العلماء.
سطوع يتحدى القواعد التقليدية
قاد الفضول هينكل وفريقه للبحث في بيانات التلسكوبات عن أحداث كونية ذات توهج استثنائي استمر لأكثر من عام. وقد تمكنوا من رصد ثلاثة أحداث انطبقت عليها المواصفات: استغرقت أكثر من 100 يوم للوصول إلى ذروة سطوعها، واحتاجت لأكثر من 150 يوماً لتخفت إلى النصف.
كانت هذه الانفجارات أكثر سطوعاً بـ 30 إلى 1000 مرة من أنواع مختلفة من المستعرات العظمى (Supernovas). ويشير هينكل إلى أن الجمع بين السطوع الشديد والعمر الطويل هو ما يجعل هذه الظاهرة فريدة، حيث قال: «هذا المزيج لا يوجد في أي نوع آخر من الظواهر العابرة». إن الطاقة المنبعثة من هذه الأحداث تراوحت بين ضعفين إلى عشرة أضعاف الطاقة الصادرة عن أقوى المستعرات العظمى المعروفة، مما استبعد فكرة أن تكون مجرد نجوم تنفجر، ورجح كفة كونها «تمزقات مدية فائقة الشحن».
رسائل من قلب المجرات النشطة
من المثير للاهتمام أن البيانات أظهرت وجود غاز وغبار ساخن بالقرب من الثقوب السوداء المسؤولة عن هذه الأحداث، مما يشير إلى أن هذه الثقوب السوداء تلعب دوراً نشطاً في تشكيل مجراتها المضيفة. وهذا يختلف عن أحداث التمزق المدي التقليدية التي رُصدت سابقاً في مجرات خاملة، مما يفتح الباب لفهم العلاقة بين تمزيق النجوم ونشاط الثقوب السوداء.
وفي هذا السياق، يعلق تايهو ريو، عالم الفيزياء الفلكية في معهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية في ألمانيا، بأن هذه الاكتشافات توفر فرصة للربط بين ظاهرتين كانتا تدرسان بشكل منفصل. فعلى الرغم من ندرة هذه الأحداث – حيث يقدر حدوث واحدة منها مقابل كل 10,000 حدث تمزق مدي تقليدي – إلا أنها، بحسب هينكل، تمثل «أفضل مسابيرنا لدراسة هذه الثقوب السوداء الهائلة التي عادة ما تكون هادئة»، مما يعد بمزيد من الاكتشافات حول كيفية عمل أضخم محركات الطاقة في الكون.



