Table of Contents
لم يعد الحديث عن الكوارث المناخية مجرد تحذير لما قد يحمله المستقبل، بل أصبح واقعاً نعيشه اللحظة. لقد دخل كوكبنا رسمياً في مرحلة “الواقع المناخي الجديد والقاتم”، حيث عبرت الأرض للتو أول “نقطة تحول” رئيسية لا رجعة فيها. هذا ما أكده علماء بارزون في تقرير دولي حاسم، معلنين أن الشعاب المرجانية في المياه الدافئة حول العالم قد تجاوزت حدود قدرتها على الصمود، مما يضعنا أمام خسارة بيئية فادحة ويدفع البشرية نحو منطقة خطر مليئة بالتغيرات المتسارعة.
الشعاب المرجانية: الضحية الأولى
وفقاً لتقرير “نقاط التحول العالمية 2025” (Global Tipping Points Report 2025) الصادر في 13 أكتوبر، فإن الحرارة المتصاعدة بلا هوادة في المحيطات دفعت الشعاب المرجانية عالمياً إلى نقطة الانهيار. ويحذر الباحثون من أن هذا الانهيار ليس مجرد حدث عابر، بل هو موت غير مسبوق للنظم البيئية للشعاب، مما يهدد سبل عيش ما يقرب من مليار شخص يعتمدون عليها.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو حتمية هذه الخسارة؛ فحتى في ظل أكثر سيناريوهات الاحترار تفاؤلاً — أي إذا نجحنا في حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية — فإن الشعاب المرجانية في المناطق الدافئة قد حكم عليها بالفناء فعلياً. ويصف الباحثون هذا الحدث بأنه “أحد أكثر الخسائر البيئية إلحاحاً التي تواجهها البشرية”.
سقوط أحجار الدومينو المناخية
إن خسارة المرجان ليست سوى رأس جبل الجليد. يشير ستيف سميث، الجغرافي بجامعة إكستر البريطانية والمختص في دراسة نقاط التحول، إلى أننا ومنذ عام 2023 شهدنا أكثر من عام كامل تجاوزت فيه درجات الحرارة عتبة الـ 1.5 درجة مئوية. ويضيف: “يبدو تجاوز حد 1.5 درجة مئوية أمراً حتمياً الآن، وقد يستقر الوضع عند هذا الحد بحلول عام 2030”.

هذا التجاوز يضع العالم في منطقة خطر تتسم بتصاعد المخاطر، حيث يؤدي عبور نقطة تحول واحدة إلى تحفيز عبور نقاط أخرى، تماماً كسقوط أحجار الدومينو. وبناءً على درجات الاحترار المتوقعة في العقود المقبلة، قد يشهد العالم موتاً واسع النطاق لغابات الأمازون المطيرة، وانهياراً للصفائح الجليدية في غرينلاند وغرب القارة القطبية الجنوبية. والخطر الأكبر يكمن في احتمال توقف نظام تيارات المحيط الأطلسي القوي المعروف بـ (AMOC)، وهو ما سيغير أنماط الطقس العالمية بشكل جذري.
الأمازون في عين العاصفة
يأتي إطلاق هذا التقرير بتوقيت مدروس، تزامناً مع استعداد الوزراء من جميع أنحاء العالم للاجتماع في بيليم بالبرازيل للتحضير لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30). اختيار الموقع قرب قلب الغابات المطيرة يعد فرصة لتسليط الضوء على “نقطة التحول التي تلوح في الأفق” هناك.
تشير التحليلات الحديثة إلى أن غابات الأمازون تواجه خطراً أكبر مما كان يُعتقد سابقاً. التهديد لا يأتي من الاحترار فحسب، بل من مزيج قاتل بين تغير المناخ وإزالة الغابات. يوضح التقرير أن إزالة 22% فقط من غابات الأمازون تكفي لخفض عتبة نقطة التحول الحرجة إلى 1.5 درجة مئوية. وبالنظر إلى أن معدل إزالة الغابات الحالي يبلغ حوالي 17%، فإن هامش الأمان يتآكل بسرعة مخيفة.
بصيص أمل ونظم حكم عاجزة
رغم قتامة المشهد، يرى سميث جانباً مشرقاً؛ فقد تجاوز العالم أيضاً نقطة تحول إيجابية واحدة على الأقل في نظام الطاقة. منذ عام 2023، شهدنا تسارعاً كبيراً في تبني التكنولوجيا النظيفة، مثل السيارات الكهربائية والخلايا الشمسية، مع انخفاض متزامن في أسعار البطاريات. هذه التغييرات تخلق ما يشبه “حلقة تغذية راجعة إيجابية” تعزز بعضها بعضاً.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. ترى مانجانا ميلكوريت، عالمة السياسة بجامعة أوسلو والمشاركة في إعداد التقرير، أن المشكلة تكمن في البنية الهيكلية لصناعة القرار. الأنظمة الحالية، والسياسات الوطنية، وحتى اتفاقية باريس، صُممت للتعامل مع تغيرات تدريجية وخطية، ولم تُصمم لاستيعاب الانهيارات المفاجئة والمتتالية التي تفرضها نقاط التحول.
خارطة طريق إجبارية
يؤكد التقرير أن الحلول لم تعد “قائمة خيارات” ننتقي منها ما نشاء، بل أصبحت “قائمة ضرورات”. يجب على الحكومات التحرك فوراً لخفض الانبعاثات قصيرة الأجل مثل الميثان لكسب الوقت، وتكثيف جهود سحب الكربون من الغلاف الجوي، وإصلاح سلاسل التوريد العالمية لوقف إزالة الغابات.
في النهاية، الرسالة واضحة وقاسية: ما نفعله حالياً ليس كافياً. نحن أمام تهديد من نوع جديد يصعب استيعاب حجمه، ويتطلب شجاعة سياسية وفردية للنظر في عين العاصفة وعدم الهروب من الواقع، لأن الوقت لم يعد في صالحنا.