Table of Contents
قبل مليارات السنين، وحين كانت الأرض لا تزال كوكباً وليداً يغلي، لم يكن مشهد المحيطات الزرقاء الهادئة هو المسيطر، بل كانت الحمم البركانية تغطي كل شبر من السطح تقريباً. في ذلك الجحيم البدائي، قد يبدو من المستحيل الحديث عن وجود “مياه”، لكن الحقيقة الجيولوجية تكشف مفارقة مذهلة: ذلك اللهيب نفسه هو الذي ساعد في الحفاظ على مياه كوكبنا.
تشير رؤية علمية جديدة إلى أن صخور الوشاح العميق للأرض لم تكن جافة كما كنا نعتقد، بل ربما احتجزت كميات هائلة من المياه تعادل حجم محيط كامل، مخبأة داخل الهياكل البلورية للمعادن تحت ظروف حرارة وضغط لا يمكن تخيلها.
محيط سري في قلب الجحيم
لطالما اعتقد العلماء أن الأرض حصلت على مياهها نتيجة قصف مستمر من الكويكبات والمذنبات الجليدية. لكن السؤال الذي حير الجيولوجيين هو: كيف احتفظ الكوكب بهذه المياه وسط درجات الحرارة الجهنمية؟ الإجابة تكمن في قدرة كوكبنا الشاب على “تخزين” المياه في أحشائه الصخرية بكفاءة تفوق التقديرات السابقة بمئة مرة.

في دراسة نشرت في دورية Science المرموقة بتاريخ 11 ديسمبر، أوضح باحثون أن مفتاح هذا اللغز يكمن في معدن يسمى “البريدجمانيت” (Bridgmanite). هذا المعدن، الذي تشكل في أعماق الأرض السحيقة، يبدو أنه لعب دور “الإسفنجة الجيولوجية”، حيث سمحت له الحرارة العالية بامتصاص جزيئات الماء ودمجها في بنيته البلورية.
محاكاة الأعماق السحيقة مختبرياً
لمعرفة ما حدث بالضبط في باطن الأرض قبل 4.4 مليار سنة، لم يكن أمام الجيوكيميائي وينهوا لو (Wenhua Lu) من الأكاديمية الصينية للعلوم وفريقه سوى محاولة إعادة خلق تلك الظروف القاسية داخل المختبر.
استخدم الفريق تقنية متطورة تعتمد على “سندان الماس” (Diamond Anvil) لضغط عينات صخرية بين قطعتين من الماس لتوليد ضغط هائل يحاكي عمق الوشاح السفلي، ثم قاموا بتسليط أشعة الليزر لرفع درجة الحرارة إلى مستويات تحاكي باطن الأرض.
كانت النتائج مفاجئة؛ فبينما كانت التقديرات السابقة تشير إلى أن البريدجمانيت معدن “جاف” تقريباً لا يحتوي إلا على نزر يسير من الماء (أقل من 220 جزءاً في المليون)، أثبتت التجربة أن قدرة هذا المعدن على استيعاب المياه تزداد كلما ارتفعت درجة الحرارة. هذا يعني أن الوشاح السفلي للأرض، بفضل حرارته الأعلى، كان خزاناً مائياً أضخم بكثير من الوشاح العلوي الأبرد نسبياً.
البريدجمانيت: المعدن الذي صنع الفارق
لفهم أهمية هذا الاكتشاف، يجب أن ندرك حجم معدن البريدجمانيت في تكوين كوكبنا. إنه المعدن الأكثر وفرة، حيث يشكل حوالي 60% من وشاح الأرض. يتكون هذا المعدن في ظروف قاسية للغاية، في أعماق تصل إلى 2890 كيلومتراً تحت السطح، حيث تتجاوز الحرارة 4000 درجة مئوية ويصل الضغط إلى 700 ألف ضغط جوي.
خلال “الدهر الجحيمي” (Hadean Eon)، وحين كان محيط الصهارة (الماغما) يبرد ببطء، تسللت جزيئات الماء الذائبة في الصخور المنصهرة إلى داخل بلورات البريدجمانيت المتكونة حديثاً. يعلق عالم الصخور مايكل والتر (Michael Walter) من معهد كارنيجي للعلوم في واشنطن على هذه النتائج قائلاً إنها “تضيف قطعة حيوية إلى أحجية معقدة ومتعددة الأوجه”، مشيراً إلى أن فهم كيفية دمج المياه في هذه المعادن القديمة يقدم أدلة جديدة حول أصول دورة المياه التي جعلت كوكبنا قابلاً للحياة.
ميراث المياه القديمة
على الرغم من أن الأرض قد تغيرت كثيراً منذ ذلك الحين، إلا أن هذه العملية لا تزال مستمرة بشكل ما. فاليوم، تحمل الصفائح التكتونية الغارقة (Subducting plates) المياه من السطح إلى أعماق الأرض، حيث تُحبس في معادن مثل البريدجمانيت لفترات زمنية طويلة قبل أن تعود للسطح عبر الانفجارات البركانية.
إن حركة الصفائح التكتونية وتقليب صخور الوشاح عبر مليارات السنين ساعدت في إعادة توزيع تلك المياه البدائية وجلب جزء كبير منها إلى السطح لتشكل المحيطات التي نعرفها اليوم. ومع ذلك، تشير هذه الدراسة إلى حقيقة مثيرة: ربما لا تزال هناك بقايا من تلك المياه الأولية العتيقة قابعة هناك في الأسفل، شاهدة على الأيام الأولى العنيفة لميلاد كوكبنا.