تحت السكون الأبيض الظاهري للقارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، تقبع شبكة هيدروليكية هائلة من الأنهار والبحيرات المخفية تماماً عن الأنظار. هذا العالم المائي السفلي ليس مجرد ظاهرة جيولوجية صامتة، بل يبدو أنه المحرك الخفي الذي قد يقلب معادلاتنا المناخية رأساً على عقب، دافعاً بمدننا الساحلية نحو الغرق أسرع مما كنا نتخيل.
محركات خفية تحت الجليد
تحتفظ الصفيحة الجليدية في أنتاركتيكا بنحو 90% من إجمالي الجليد الموجود على كوكب الأرض. وفي ظل التغير المناخي الذي يسببه البشر، تفقد هذه القارة المتجمدة ما معدله 150 مليار طن متري من الجليد سنوياً، مما يساهم بشكل مباشر في ارتفاع منسوب مياه البحار عالمياً. لكن العلماء يعتقدون الآن أن القصة لا تنتهي عند ذوبان السطح فحسب.

في دراسة نشرت يوم 7 أبريل في دورية (Nature Communications)، حذر باحثون من أن تجاهل تأثير المياه القابعة أسفل الجليد في نماذج المحاكاة الحاسوبية قد يؤدي إلى استهانة خطيرة بمستقبل ارتفاع منسوب البحار. ووفقاً للنتائج، فإن دمج هذه المياه “تحت الجليدية” (Subglacial water) في الحسابات قد يضيف نحو مترين كاملين إلى توقعات ارتفاع مستوى سطح البحر بحلول عام 2300.
تقول تشين تشاو، عالمة الجليد في جامعة تسمانيا الأسترالية: “هذه المياه الخفية تحت أنتاركتيكا تلعب دوراً أكثر أهمية بكثير مما كنا نعتقد”. وتشير تشاو بقلق إلى أن صناع القرار يعتمدون خططهم على التوقعات الحالية، متسائلة: “ولكن ماذا لو كنا نسيء التقدير بشكل كبير؟”.
الانزلاق على وسادة مائية
لفهم كيف يحدث ذلك، يجب أن ندرك أن الصفيحة الجليدية ليست كتلة جامدة؛ فهي تتشوه تحت وطأة وزنها الهائل، وفي بعض الأماكن تنزلق قاعدتها المتجمدة على الأرض الصخرية كما تنزلق الزلاجة على الثلج. هذه العملية المعروفة علمياً باسم “الانزلاق القاعدي” (Basal sliding) هي المسؤولة عن معظم حركة الأنهار الجليدية المتسارعة نحو المحيط.
يعلم العلماء مسبقاً أن وجود الماء بين الجليد والصخر يعمل كمادة تشحيم تسرع هذا الانزلاق. يشبه الأمر طريقة عمل طاولة “الهوكي الهوائي”، حيث تضخ الطاولة وسادة رقيقة من الهواء تسمح للقرص بالانزلاق بسلاسة فائقة. وبالمثل، فإن ضغط المياه الجوفية يعاكس وزن الجليد فوقه، مما يسهل تدفقه نحو البحر.
خط الارتكاز: نقطة الضعف الحرجة
المشكلة تكمن في أن العديد من النماذج المناخية الحالية تتجاهل هذه الديناميكية المعقدة. ولتصحيح ذلك، قامت تشاو وفريقها بمحاكاة تطور الصفيحة الجليدية في أنتاركتيكا أثناء تدفقها فوق قنوات وبحيرات مفترضة، مختبرين سيناريوهات مختلفة لتوزيع ضغط المياه.
في إحدى أكثر المحاكات إثارة للقلق، زاد الفريق ضغط المياه بالقرب من “خط الارتكاز” (Grounding line) – وهي المنطقة الحرجة التي تلتقي فيها الصفيحة الجليدية بالمحيط وتبدأ في العوم. يعلق ماتيو مورليغيم، عالم الجليد في كلية دارتموث الذي لم يشارك في الدراسة، قائلاً: “هذا منطقي من الناحية الفيزيائية؛ إنهم يجعلون السرير الصخري أكثر انزلاقاً في النقطة التي يبدأ فيها الجليد بالطفو”.
أدت هذه “الزلقة” الإضافية عند خط الارتكاز إلى نتائج درامية؛ إذ أظهرت المحاكاة ارتفاعاً إضافياً في مستوى سطح البحر بمقدار 2.2 متر بحلول عام 2300 مقارنة بالنماذج القياسية.
نحو المجهول
قد يبدو رقم “مترين” بسيطاً للبعض، لكنه يمثل كارثة محققة للمناطق الساحلية المنخفضة. ويوضح مورليغيم أن هذه الزيادة تمثل فقط 4% مما يمكن أن تطلقه أنتاركتيكا من مياه إذا ذابت بالكامل، ومع ذلك فإن تأثيرها هائل. ويؤكد الباحثون أن النتائج تباينت بناءً على كيفية محاكاة تضاريس القاع، مما يبرز حاجتنا الماسة لفهم ما يقبع تحت الجليد بدقة أكبر.
تختتم تشاو حديثها بنبرة تحذيرية ممزوجة بالأمل في العلم: “بدون معرفة ما يوجد تحت الجليد، نضطر لوضع افتراضات في نماذجنا، وهذه الافتراضات قد يكون لها تأثيرات ضخمة على دقة تنبؤاتنا لمستقبل الكوكب”.
