Table of Contents
تأمل قليلاً في سقوط بذور القيقب (Maple) الحلزونية؛ تلك الرقصة الهوائية البديعة التي تمنح البذرة وقتاً أطول في الجو لتقطع مسافات أبعد قبل أن تستقر على الأرض. الطبيعة هنا هي المهندس الأول، حيث صممت هذا الهيكل الديناميكي ليقاوم الجاذبية بأبسط الطرق. لكن، ماذا لو استطعنا محاكاة هذه الهندسة الربانية الدقيقة لصناعة أجهزة تكنولوجية بحجم حبة الرمل، يمكنها التحليق وحمل مستشعرات لرصد المخاطر البيئة؟ هذا بالضبط ما نجح فريق علمي في تحقيقه، فاتحاً الباب أمام جيل جديد من تكنولوجيا المراقبة البيئية.
وحي من أشجار شيكاغو
لم يذهب عالم المواد جون روجرز بعيداً للبحث عن الإلهام؛ فقد كانت الأشجار المصطفة في شوارع شمال شيكاغو، حيث يعيش، هي المصدر الأول للفكرة. لاحظ روجرز، الباحث في جامعة نورث وسترن بولاية إلينوي، كيف تتصرف بذور القيقب كطائرات مروحية طبيعية. وانطلاقاً من هذه الملاحظة، قاد فريقه لتطوير أسطول من "المحلقات الدقيقة" (Microfliers) التي تحاكي حركة البذور ولكن بمقاييس مذهلة في صغرها.
وفقاً لما نشره الفريق في دورية "نيتشر" (Nature) العريقة بتاريخ 23 سبتمبر، فإن بعض هذه الأجهزة الدوارة لا يتجاوز عرضها نصف مليمتر، أي أنها أصغر بكثير من النماذج الطبيعية، بل وتقارن بحجم حبيبات الرمل. هذا التصغير المتطرف يمثل قفزة نوعية في هندسة المواد الدقيقة والإلكترونيات المرنة.

هندسة السقوط البطيء
يكمن السر في كفاءة هذه الأجهزة في تصميم شفراتها (Rotor blades). وللوصول إلى الشكل الأمثل، لم يعتمد الباحثون على التخمين، بل لجأوا إلى المحاكاة الحاسوبية المتقدمة لاختبار تصاميم متعددة ذات أحجام وعدد شفرات مختلف. الهدف كان واضحاً: الوصول إلى تصميم يضمن هبوطاً مستقراً وبطيئاً للغاية.
تماماً كما تفعل بذور القيقب والنباتات المروحية الأخرى، تعمل شفرات هذه المحلقات الدقيقة على توليد حركة دورانية سريعة أثناء السقوط. هذه الحركة تخلق قوة رفع هوائية تقاوم الجاذبية، مما يقلل بشكل كبير من سرعة هبوط الجهاز. وقد سجل أحد النماذج سرعة سقوط تبلغ حوالي 28 سنتيمتراً فقط في الثانية، وهو معدل أبطأ بأكثر من النصف مقارنة بالبذور الطبيعية. هذا التباطؤ المتعمد ليس استعراضاً، بل هو جوهر وظيفة الجهاز؛ فكلما بقي الجهاز في الهواء لفترة أطول، زادت فرصته في الانتشار مع الرياح وتغطية مساحات جغرافية أوسع.
عيون إلكترونية تراقب البيئة
لا تقتصر أهمية هذا الابتكار على مجرد الطيران؛ فهذه الأجسام الطائرة صُممت لتكون منصات حمل لأجهزة استشعار متناهية الصغر. يتصور العلماء إمكانية نثر هذه الأجهزة عبر الجو بأعداد كبيرة لمسح مساحات شاسعة، حيث يمكن تزويدها بمستشعرات لقياس الظروف البيئية بدقة متناهية.
تشمل التطبيقات المحتملة رصد مستويات الحموضة (pH)، والكشف عن وجود المعادن الثقيلة، أو تقييم المخاطر الفورية مثل الانسكابات الكيميائية. وبفضل بقائها في الجو لفترات طويلة، يمكن لهذه الأجهزة أيضاً تتبع التغيرات في الغلاف الجوي وجمع بيانات حيوية قد يصعب الحصول عليها بالوسائل التقليدية.
نحو تكنولوجيا صديقة للبيئة
قد يتبادر إلى الذهن سؤال أخلاقي وبيئي هام: ألن يتسبب نثر آلاف القطع الإلكترونية الصغيرة في تلويث الطبيعة التي نحاول مراقبتها؟ الإجابة تكمن في الخطوة القادمة للفريق البحثي.
يخطط جون روجرز وزملاؤه لتطوير نسخ من هذه المحلقات مصنوعة من مواد قابلة للتحلل الحيوي (Biodegradable). الهدف هو أن تؤدي هذه الأجهزة مهمتها في جمع البيانات، ثم تتحلل وتذوب في البيئة بشكل آمن دون أن تترك خلفها أي نفايات إلكترونية ضارة، محققة بذلك انسجاماً كاملاً بين التكنولوجيا المتقدمة والدورات الطبيعية للأرض.