Table of Contents
قبل مئة عام بالضبط، وعلى صخرة جرداء في جزيرة “هيلغولاند” الألمانية، جلس شاب في الثالثة والعشرين من عمره يُدعى فيرنر هايزنبرغ، هاربًا من نوبة حساسية شديدة، ليتأمل في ملكوت الذرة. هناك، ومع شروق الشمس، تراءت له “تراكيب رياضية مذهلة” صاغت لاحقًا ما نعرفه اليوم بميكانيكا الكم. تلك اللحظة لم تكن مجرد ولادة لنظرية فيزيائية، بل كانت الشرارة الأولى لثورة غيرت وجه التاريخ. واليوم، ونحن نحتفل بالمئوية الأولى لهذا الإنجاز، يرى الفيزيائيون أننا نعيش فجر “ثورة كمومية ثانية”؛ ثورة لم نعد نكتفي فيها بمراقبة غرابة العالم الكمي وفهمه، بل بدأنا في ترويضه وهندس والتحكم فيه بدقة متناهية لبناء تقنيات كانت حتى الأمس القريب ضربًا من الخيال العلمي.
من النظرية إلى الترويض: الثورة الثانية
لقد منحتنا الثورة الأولى فهمًا عميقًا لطبيعة المادة، وقدمت لنا تقنيات نستخدمها يوميًا مثل الليزر والترانزستورات وأجهزة الرنين المغناطيسي. لكن العلماء اليوم، ومنهم من تحدثنا إليهم في هذا التحقيق، يؤكدون أننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة كليًا: مرحلة التحكم في الأنظمة الكمومية الفردية. نحن الآن نحاول تطويع أكثر مفاهيم الكم غرابة، مثل “التراكب” (Superposition) و”التشابك” (Entanglement)، لخدمة البشرية.
وفي هذا السياق، تسعى الفيزيائية يي ون تشو (Yiwen Chu) من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا بزيورخ، للإجابة عن سؤال أزلي: هل تتوقف قوانين الكم عند حد معين من الحجم؟ في عام 2023، نجحت تشو وفريقها في وضع بلورة ياقوت بكتلة تعادل نصف رمش عين في حالة “تراكب كمي”، وهي حالة تكون فيها ذرات البلورة تهتز في اتجاهين مختلفين في آن واحد.

تقول تشو: “نحن نبحث في منصات فيزيائية جديدة لصنع أجهزة استشعار ومعالجات كمومية”. الهدف ليس مجرد إثبات نظري، بل استخدام هذه الأنظمة للكشف عن موجات الجاذبية بترددات عالية جدًا تعجز المراصد الحالية عن رصدها. وتضيف بحماس: “إذا استطعنا رصد السلوك الكمي لجسم معقد ومكروسكوبي (كبير الحجم)، فسيكون ذلك إجابة حاسمة لسؤال عمره قرن من الزمان”.
عندما تصافح الجاذبية عالم الكم
لعل أكبر لغز يواجه الفيزياء الحديثة هو التنافر الظاهري بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة لأينشتاين. فالأولى تحكم الصغائر، والثانية تحكم الكواكب والنجوم. هنا يأتي دور الفيزيائي فلاتكو فيدرال (Vlatko Vedral) من جامعة أكسفورد، الذي يراهن على أن الجاذبية نفسها ذات طبيعة كمومية.
يقترح فيدرال تجربة جريئة تعتمد على وضع جسمين ضخمين نسبيًا في حالة تراكب مكاني، ومراقبة ما إذا كانت الجاذبية بينهما ستؤدي إلى حدوث “تشابك كمي”. يقول فيدرال: “رهاني هو أننا سنكسر قواعد النسبية العامة خلال الخمس إلى العشر سنوات القادمة. ستثبت الجاذبية أنها ميكانيكا كمومية”.

هذا النوع من التجارب يتطلب دقة هائلة وعزلًا تامًا عن المؤثرات الخارجية، ويشهد العالم حاليًا سباقًا بين عدة فرق بحثية لتحقيق هذه القفزة التي قد تعيد كتابة كتب الفيزياء.
الحياة والساعة والحدود القصوى
لا تتوقف طموحات الثورة الثانية عند الجمادات، بل تمتد لتلامس جوهر الحياة. كلاريس أييلو (Clarice Aiello) من معهد بيولوجيا الكم في لوس أنجلوس، تقود تيارًا علميًا يسعى لإثبات أن الكائنات الحية تستخدم ميكانيكا الكم للبقاء. تشير أييلو إلى أن ظواهر مثل هجرة الطيور قد تعتمد على “بوصلة كمومية” حساسة للمجالات المغناطيسية الضعيفة جدًا، عبر آلية تعتمد على تراكب دوران الإلكترونات (Electron Spin Superposition).
وعلى جانب آخر، يغوص ماركوس هوبر (Marcus Huber) من فيينا في الديناميكا الحرارية الكمومية، باحثًا عن “التكلفة الأساسية” لعمل الساعة. تشير أبحاثه النظرية إلى أن الساعات الكمومية قد تكون أكثر كفاءة بشكل هائل من الساعات التقليدية. لكن هوبر لا يخفي قلقه من “الضجيج الإعلامي” والمبالغات التجارية التي تحيط بتقنيات الكم، محذرًا من تحول البحث العلمي البحت إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية بدلًا من كونه وسيلة لاستكشاف الكون.
الحاسوب الكمي: الحلم وتصحيح الأخطاء
يبقى الحاسوب الكمي هو “الكأس المقدسة” لهذه الثورة. لكن المشكلة تكمن في هشاشة “البتات الكمومية” (Qubits) وتأثرها السريع بالبيئة المحيطة. هنا تؤكد باربرا تيرهال (Barbara Terhal) من جامعة دلفت للتكنولوجيا، أن الحل يكمن في “تصحيح الخطأ الكمي”.

توضح تيرهال أننا بحاجة لبناء “بتات منطقية” مكونة من عدة بتات فيزيائية لضمان الموثوقية. وتقول: “بدون تصحيح الأخطاء، لا يمكننا بناء حاسوب كمي حقيقي”. وتضيف نظرة فلسفية للمستقبل، مشيرة إلى أن المئة عام القادمة قد تحمل نظريات جديدة توسع من فهمنا الحالي، تمامًا كما فعل هايزنبرغ قبل قرن، عندما ظن الجميع أن الفيزياء قد اكتملت.
إننا نقف اليوم على أعتاب مجهول جميل، مسلحين بأدوات لم يحلم بها مؤسسو الكم الأوائل. وسواء أثبتت التجارب القادمة صحة نظرياتنا الحالية أو نسفتها، فإن المؤكد هو أن رحلة استكشاف الواقع ما زالت في بدايتها.