بعد 5 سنوات من كارثة ديب ووتر: لغز النفط المفقود

بعد 5 سنوات من كارثة ديب ووتر: لغز النفط المفقود

رغم توقف تدفق النفط، لا تزال مستنقعات لويزيانا وقاع خليج المكسيك تروي قصة كارثة لم تنتهِ فصولها بعد. اكتشف كيف تحول النفط المفقود إلى 'أشباح' كيميائية تهدد النظام البيئي.

في قلب مستنقعات لويزيانا الرطبة، تلعب الصراصير دوراً مأساوياً يشبه دور “طيور الكناري” في مناجم الفحم القديمة؛ فهذه الحشرات الموضوعة في أقفاص برتقالية لا تغرّد، بل تموت بصمت لتحذّر العلماء من خطر غير مرئي. إنها أبخرة سامة تتصاعد من نفطٍ لا يزال ينز من باطن الأرض والمياه، مشكّلة تذكيراً حياً ومخيفاً بأكبر كارثة نفطية بحرية في تاريخ أمريكا الشمالية: انفجار منصة “ديب ووتر هورايزون” (Deepwater Horizon) عام 2010. ورغم مرور خمس سنوات على تلك الكارثة، فإن الصراصير المحتضرة تروي قصة مختلفة تماماً عما قد توحي به المياه التي تبدو هادئة للعيان، مما يثير قلق باحثين مثل ليندا هوبر-بوي من جامعة ولاية لويزيانا، التي تتساءل: “إذا كانت هذه الأبخرة تقتل الحشرات، فما الذي تفعله بالبشر؟”.

خمس سنوات من الغموض والبحث

يوافق هذا الشهر الذكرى الخامسة لانفجار منصة النفط التي تديرها شركة بريتيش بتروليوم (BP) في خليج المكسيك، وهو الحادث الذي أودى بحياة 11 عاملاً وأطلق ثوراً نفطياً استمر 87 يوماً. تشير التقديرات إلى تدفق ما يقارب 5 ملايين برميل من النفط ومئات الآلاف من الأطنان المترية من الغاز من بئر “ماكوندو” الواقعة على عمق 1500 متر تحت سطح البحر. لقد كان التسرب هائلاً لدرجة أن دوامات النفط في الخليج كانت مرئية من الفضاء.

منذ ذلك الحين، حشد العلماء أسطولاً من سفن الأبحاث والطائرات لفهم تداعيات هذه الكارثة، بدعم مالي ضخم تجاوز 1.3 مليار دولار من شركة BP وأكثر من 30 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية. ورغم تكدس جبال من البيانات، لا تزال هناك أسئلة محيرة بلا إجابات، بل وتظهر ألغاز جديدة بمرور الوقت، تماماً مثل لغز الصراصير المحتضرة.

أين ذهب النفط المفقود؟

لعل اللغز الأكبر الذي يؤرق العلماء هو عدم معرفة مصير معظم النفط المتسرب بدقة. فالبيانات تشير إلى أن 25% فقط من النفط قد تم احتسابه والتعامل معه بشكل مباشر (سواء بالحرق أو الكشط أو التجميع). أما مصير ما يصل إلى 3.75 مليون برميل من السائل البني المحمر فلا يزال غامضاً. وبينما تجادل الشركة المسؤولة بأرقام أقل، استعان باحثون مستقلون، مثل الكيميائي توماس رايرسون من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، بتقنيات مبتكرة لتقدير الكميات.

يُشبّه رايرسون عملية التقدير هذه بمحاولة معرفة كمية “حساء الدجاج” المسكوبة في بركة سباحة. يقول: “أنت لا تعرف عدد الدلاء التي سُكبت، لكنك تملك وصفة الحساء. إذا وجدت 10,000 جزرة في المسبح، وتعرف أن الوصفة تتطلب جزرة واحدة لكل جالون، فستعرف أن لديك 10,000 جالون من الحساء”. باستخدام الهيدروكربونات كـ “جزر”، قدّر فريقه أن كميات هائلة من النفط والغاز قد تبخرت أو ذابت، لكن قسماً كبيراً منها استقر في قاع الخليج.

كيمياء “النفط المتجوّل” والمخاط البحري

ما يعقد المهمة هو أن النفط لا يبقى على حاله؛ إذ يتعرض لعملية “تجوية” (Weathering) بفعل الشمس والحرارة والميكروبات، مما يغير بصمته الكيميائية. يوضح عالم الكيمياء البحرية كريستوفر ريدي من معهد وودز هول لعلوم المحيطات، أن النفط الذي يتم العثور عليه الآن يختلف كيميائياً عن نفط ماكوندو الخام. لقد تبخرت المكونات الخفيفة، وتحورت المكونات المتبقية بارتباطها بالأكسجين لتشكل مركبات معقدة يُطلق عليها مازحاً اسم “spilsphaltenes” (مزيج من كلمتي انسكاب وإسفلت).

وفي أعماق البحر، اكتشف العلماء ظاهرة غريبة: كتل مخاطية من النفط تسمى “الثلج البحري” أو “مخاط البحر”. تتشكل هذه الكتل عندما تتجمع مركبات النفط مع العوالق النباتية أو إفرازات البكتيريا الآكلة للنفط، لتغرق وتستقر في القاع. والمثير للقلق ما اكتشفته الباحثة سامانثا جوي من جامعة جورجيا، حيث وجدت أن هذه الطبقات النفطية في القاع ليست ثابتة، بل تتحرك بفعل التيارات القوية، مما يهدد بتلويث مناطق جديدة أو إعادة قذف النفط إلى الشواطئ خلال العواصف.

آثار بيئية متباينة وطويلة الأمد

لم يكن التأثير البيئي انهياراً شاملاً ومفاجئاً كما توقع البعض، بل جاء على شكل تأثيرات خفية وطويلة الأمد تتباين بين الكائنات. ففي حين تكيفت بعض الأنواع، عانت أخرى بشدة:

  • السلاحف البحرية: أبلغت عالمة البيئة سيلينا هيبيل عن انهيار في أعداد سلاحف “كيمب ريدلي” المهددة بالانقراض، حيث انخفضت أعداد الأعشاش بشكل دراماتيكي بدلاً من التعافي المتوقع.
  • الدلافين: رصد الباحثون حالات نفوق غير عادية ومستمرة للدلافين والحيتان في الخليج، مع وجود علامات تشير لتعرضها لمشاكل صحية مزمنة.
  • الأسماك: ظهرت تشوهات في عيون بعض الأسماك ومشاكل في وظائف القلب، مما يشير إلى تأثيرات جزيئية للنفط على المستوى الخلوي.

ويشير الباحث يوجين تيرنر بأسف إلى غياب “البيانات الأساسية” عن النظام البيئي قبل التسرب، مما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت بعض التغيرات الحالية طبيعية أم ناتجة مباشرة عن الكارثة.

دروس للمستقبل في بحر لا يهدأ

وسط هذا الجدل، تبرز قضية استخدام “المشتتات الكيميائية” التي رُشت بالملايين من اللترات لتفتيت بقع النفط. وبينما يرى البعض أنها حمت الطيور والشواطئ، يرى آخرون أنها زادت من سمية المياه وأعاقت الميكروبات الطبيعية عن تفكيك النفط. وفي مستنقعات لويزيانا، حيث تشكل الطبقات النفطية قشرة تشبه الإسفلت تخترقها الأعشاب، لا يزال الخطر قائماً.

اليوم، ومع استمرار إنتاج النفط في الخليج وبدء شركات جديدة في الحفر بالقرب من موقع ماكوندو، يرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الكارثة تكمن في البيانات التي تم جمعها. يقول الكيميائي البيئي إدوارد أوفرتون: “لسوء الحظ، سيكون هناك تسرب آخر عاجلاً أم آجلاً”. ولكن هذه المرة، بفضل الصراصير المحتضرة والبيانات الجديدة، قد نكون أكثر استعداداً لفهم ما يحدث تحت السطح، حتى لو لم نتمكن من منعه تماماً.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!