Table of Contents
لم يكن من المفترض أن تكون نهايته في مياه المحيط الهندي الدافئة؛ فقد صُمم هذا المبعوث الآلي ليحط رحاله في جحيم كوكب الزهرة، حيث الحرارة التي تذيب الرصاص والضغط الساحق. لكن بعد اثنين وخمسين عاماً من الدوران التائه حول الأرض، استسلم المسبار السوفييتي “كوزموس 482” (Kosmos 482) أخيراً لقوى الجاذبية، لينهي رحلة فضائية بدأت في ذروة الحرب الباردة، ويتحول من مستكشف للكواكب إلى قطعة خردة فضائية تاريخية تثير التساؤلات حول ما يخبئه لنا المستقبل في سمائنا المزدحمة.
عودة الابن الضال
في تمام الساعة 9:24 صباحاً بتوقيت موسكو يوم 10 مايو، أعلنت وكالة الفضاء الروسية (روسكوزموس) أن المسبار العتيق قد اخترق الغلاف الجوي للأرض. لم يكن السقوط عشوائياً تماماً، فقد حددت البيانات نقطة دخوله الغلاف الجوي على مسافة 560 كيلومتراً غرب جزيرة أندامان الوسطى، ليهوي بعدها في مياه المحيط الهندي غرب العاصمة الإندونيسية جاكرتا.
سبقت هذه العودة تكهنات عديدة وحسابات فلكية معقدة حول مكان السقوط المحتمل. ورغم القلق الذي يساور البعض عند سماع أخبار سقوط أجسام فضائية، فإن جوناثان ماكدويل، الفلكي بمركز هارفارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية، كان قد طمأن العالم قبل الحدث قائلاً: “الأمر مثير للقلق، لكنه ليس نذيراً بنهاية العالم”. كانت احتمالية إصابة المسبار لمنطقة مأهولة ضئيلة للغاية، نظراً لأن المياه تغطي معظم كوكبنا، وجزء كبير من اليابسة غير مأهول بالسكان.
قصة المهمة الفاشلة
تعود جذور هذه القصة إلى 31 مارس 1972، حين أطلق الاتحاد السوفييتي هذا المسبار كجزء من مهمة مزدوجة طموحة لاستكشاف كوكب الزهرة. كان من المفترض أن يتبع نجاح المسبار “فينيرا 7” (Venera 7) الذي حقق أول هبوط ناعم على كوكب آخر عام 1970. وقد نجحت الأخت التوأم لهذا المسبار، “فينيرا 8″، في الانطلاق والهبوط بنجاح على الزهرة لتعمل لمدة ساعة تقريباً.
لكن الحظ لم يحالف “كوزموس 482”. فقد فشلت المرحلة العليا من الصاروخ في الاشتعال بالشكل الصحيح، مما منع المركبة من الوصول إلى السرعة اللازمة للإفلات من جاذبية الأرض. ونتيجة لذلك، تقطعت أوصال الصاروخ والمركبة، وعادت بعض الأجزاء لتحترق في الغلاف الجوي خلال الثمانينيات، بينما بقي جزء واحد – يُعتقد أنه مركبة الهبوط المخصصة للزهرة – عالقاً في مدار إهليلجي واسع، يبتعد عن الأرض مسافة 10,000 كيلومتر في أقصى نقطة له.
على مر العقود، تآكل هذا المدار وانكمش تدريجياً، ليتحول مؤخراً إلى مسار شبه دائري على ارتفاع 350 كيلومتراً فقط، قبل أن تستنفد المركبة طاقتها في مقاومة الاحتكاك الجوي وتسقط نهائياً.
لماذا نجا من الاحتراق؟
ما يميز هذا الحطام عن غيره هو هندسته الفريدة. فمسابير “فينيرا” صُممت خصيصاً لتحمل الظروف القاسية جداً في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة، حيث الضغط يعادل 90 مرة ضغط الأرض والحرارة تصل لدرجات جهنمية. هذا التصميم المدرع يعني أن “كوزموس 482” كان مرشحاً بقوة للنجاة من رحلة العودة عبر غلافنا الجوي دون أن يحترق بالكامل، على عكس معظم المخلفات الفضائية الحديثة.
ويشير ماكدويل إلى أن المسبار ارتطم بالأرض بسرعة تبلغ بضع مئات من الكيلومترات في الساعة، وهي سرعة تضاهي سرعة طائرة محلقة. ويصف المشهد بعبارة دقيقة: “إنه يشبه سقوط سيارة متوسطة الحجم من السماء”. ورغم أن احتمالات الإصابة المباشرة لشخص ما لا تتعدى واحداً في عدة آلاف، فإن مجرد فكرة سقوط كتلة معدنية بهذا الحجم تظل غير مريحة.
سماء تزدحم بالخردة
بينما تمثل عودة “كوزموس 482” حدثاً تاريخياً نادراً، إلا أنها قد تكون مجرد مقدمة لما هو آت. أعداد الأجسام في المدار الأرضي المنخفض تزايدت بشكل صاروخي في السنوات الأخيرة، مدفوعة بآلاف الأقمار الصناعية ضمن كوكبات عملاقة مثل “ستارلينك” (Starlink) التابعة لشركة “سبيس إكس”. ورغم أن هذه الأقمار مصممة لتحترق كلياً عند انتهاء عمرها الافتراضي، فإن الواقع يثبت عكس ذلك أحياناً.
شهد عام 2024 العثور على حطام فضائي في مزارع بمقاطعة ساسكاتشوان الكندية، كما سُجلت حالات مماثلة في البرازيل، أستراليا، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى شظايا صواريخ صينية سقطت في الهند وإندونيسيا. وترى الفلكية سامانثا لولر من جامعة ريجينا الكندية أن الأمر يدعو للقلق المتزايد، خاصة مع وجود 7000 قمر صناعي من طراز ستارلينك في المدار، والمزيد في الطريق.
تقول لولر محذرة: “إذا كانت هذه الأقمار تسقط قطعاً بحجم الحاسوب المحمول، حتى لو كانت نسبة ضئيلة من أصل 7000 قمر صناعي، فإن الأرقام المجردة تجعل الأمر مرعباً”. ومع ذلك، يظل الخطر الفردي منخفضاً، فبينما يمكن للحطام الفضائي أن يقتل شخصاً ما في مكان ما نظرياً، إلا أنك كفرد لست بحاجة للعيش في خوف دائم من السماء.