Table of Contents
في كل مرة نستخدم فيها مقلاة غير لاصقة لطهي وجبة سريعة، أو نرتدي معطفاً واقياً من المطر، قد نكون -دون أن ندري- نتعامل مع ضيف ثقيل الظل لا يغادر أجسامنا بسهولة. إنها “المواد الكيميائية الأبدية” (PFAS)، تلك المركبات العنيدة التي صُممت لتقاوم الماء والزيوت، لكنها في المقابل تقاوم التحلل وتتراكم في البيئة وداخل أجسادنا. لفترة طويلة، بدا أن التخلص من هذه السموم بمجرد دخولها الجسم أشبه بالمستحيل، لكن الطبيعة تخفي دائماً حلولاً في أكثر الأماكن تواضعاً: داخل أمعائنا.
حلفاء مجهولون في معركة السموم
في اكتشاف علمي لافت، وجد باحثون أن بعض أنواع البكتيريا التي تستوطن الأمعاء البشرية تمتلك قدرة مذهلة على امتصاص مركبات “بي فاس” (PFAS) السامة. الدراسة التي نُشرت في الأول من يوليو في دورية Nature Microbiology المرموقة، كشفت أن ميكروبيوم الأمعاء قد يلعب دوراً حيوياً في تنظيف الجسم من هذه الملوثات عبر طردها مع الفضلات.

أظهرت التجارب المعملية التي أجريت على الفئران أن تلك التي تحتوي أمعاؤها على بكتيريا بشرية محددة كانت أكثر قدرة على التخلص من هذه المواد الكيميائية مقارنة بالفئران الخالية من الميكروبات. يشير هذا إلى أن البكتيريا المعوية ليست مجرد ركاب في جهازنا الهضمي، بل هي حلفاء نشطون يساهمون في عملية “الديتوكس” البيولوجي الطبيعي.
آلية “الابتلاع” الميكروبي
لفهم كيفية حدوث ذلك، قام الفريق البحثي بتعريض بكتيريا الأمعاء البشرية لنوعين شائعين من مركبات PFAS بالإضافة إلى ملوثات أخرى. النتائج كانت مثيرة للدهشة؛ فقد تمكنت سلالات بكتيرية متعددة، بما في ذلك الإشريكية القولونية (E. coli)، من امتصاص هذه المركبات وتخزينها داخل خلاياها.
يوضح كيران باتيل، عالم الأحياء الجزيئية في جامعة كامبريدج والمشارك في الدراسة، أن الميكروبات جمعت ما بين 20 إلى 75 بالمائة من المواد الكيميائية التي تعرضت لها، وشكلتها في كتل داخل خلاياها دون أن تتأثر سلباً أو تموت. يبدو أن هذه البكتيريا، التي اعتادت مواجهة مواد كيميائية ضارة مثل المبيدات الحشرية في بيئتها الطبيعية، طورت آليات فعالة للتعامل مع الدخلاء.
“من وجهة نظر البكتيريا، المواد الكيميائية هي مجرد مواد كيميائية، بغض النظر عن مصدرها” – كيران باتيل، جامعة كامبريدج.
ورغم أن دراسات سابقة أظهرت قدرة ميكروبات الأمعاء على تخزين الأدوية العلاجية عن غير قصد، إلا أن كيفية استجابتها للملوثات البيئية التي يستهلكها البشر عبر الماء والغذاء كانت مجهولة حتى الآن.
تجربة الفئران “المؤنسنة”
للتأكد من أن هذه العملية تحدث داخل الكائنات الحية وليس فقط في أطباق المختبر، لجأ الباحثون إلى استخدام ما يسمى بالفئران “المؤنسنة” (Humanized mice). وهي فئران تم تطهير أمعائها من ميكروباتها الأصلية واستبدالها بأنواع بكتيرية تعيش عادة في أمعاء البشر.
عند مقارنة هذه الفئران بأخرى خالية تماماً من الميكروبات، وجد الباحثون أن الفئران الحاملة للبكتيريا البشرية كانت تطرح كميات أكبر من مركبات PFAS في فضلاتها. هذا الفارق يؤكد فرضية أن البكتيريا تعمل كمركبات نقل، تحمل “المواد الكيميائية الأبدية” وتخرجها من الجسم، مما يقلل من تراكمها في الأنسجة والدم.
لماذا يعد هذا الاكتشاف جوهرياً؟
تكمن أهمية هذه النتائج في خطورة مركبات PFAS نفسها. فهذه المواد تدخل في صناعة كل شيء تقريباً، من الملابس المقاومة للمطر إلى تغليف الوجبات السريعة. وقد ربطت العديد من الدراسات الطبية بين التعرض الطويل لهذه المواد ومشاكل صحية خطيرة، تشمل ارتفاع الكوليسترول، وتأخر النمو عند الأطفال، وزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.
ووفقاً للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن هذه المركبات قابلة للكشف في دماء جميع السكان المقيمين في الولايات المتحدة تقريباً، مما يجعلها أزمة صحية صامتة وعالمية. وفي حين تتركز معظم الجهود البيئية الحالية على كيفية إزالة هذه المواد من المياه والتربة، فإن هذا البحث يفتح باباً جديداً: كيف نزيلها من داخل أجسامنا؟
نحو علاجات مستقبلية قائمة على “البروبيوتيك”
يفتح هذا الاكتشاف آفاقاً واسعة للطب المستقبلي. يقترح باتيل أن الخطوة التالية قد تكون تتبع الاختلافات في الميكروبيوم البشري ومستويات PFAS لدى أشخاص يعيشون في نفس البيئة، لتحديد ما إذا كانت تركيبة بكتيريا الأمعاء تؤثر فعلياً على مستويات التسمم لديهم.
في المستقبل، قد نتمكن من تطوير مكملات غذائية من المعينات الحيوية (البروبيوتيك) تحتوي خصيصاً على سلالات البكتيريا الشرهة لمركبات PFAS. تخيل أن تتناول كبسولة بكتيرية تساعد جسمك على التخلص من الملوثات البيئية التي تراكمت عبر السنين. كما يقول باتيل: “ميكروبيوم الأمعاء يقوم بالكثير من أجلنا، وربما يقوم بشيء إيجابي إضافي لمساعدتنا في معركة المواد الكيميائية الأبدية”.