Table of Contents
تخيل أن تفتح زجاجة نبيذ فاخرة تتوقع منها عبق الفاكهة، لتفاجئك بدلاً من ذلك نكهة مزعجة تشبه طعم الرماد أو رائحة المخيمات المحترقة. هذا الكابوس الحسي ليس مجرد خطأ في التخزين، بل هو نتيجة مباشرة لحرائق الغابات التي باتت تهدد صناعة النبيذ العالمية. لكن، وفي تحول علمي مثير، يبدو أن الطبيعة تمتلك الحل في جعبة الكرمة نفسها؛ فقد اكتشف العلماء حليفاً مجهرياً يعيش على أوراق العنب، لديه القدرة على “التهام” المركبات الكيميائية المسؤولة عن هذا الطعم الدخاني قبل أن يفسد المشروب.
عندما يحرق الدخان مليارات الدولارات
تواجه صناعة النبيذ، وتحديداً في الساحل الغربي للولايات المتحدة، تحدياً وجودياً مع تزايد مواسم الحرائق شدة وطولاً. الدخان المتصاعد من هذه الكوارث لا يكتفي بتلويث الهواء، بل يتسبب فيما يُعرف بـ “تلوث الدخان” (Smoke Taint)، وهي ظاهرة كيميائية تكلف المزارعين خسائر فادحة.

في عام 2020 وحده، تكبد صانعو النبيذ في ولايتي كاليفورنيا وأوريغون خسائر تجاوزت 3 مليارات دولار بسبب تلف العنب وعدم صلاحيته للاستخدام. ويقول توم كولينز، كيميائي العنب والنبيذ في جامعة ولاية واشنطن: “في معظم السنوات، تندلع حرائق تؤثر على الكروم في مكان ما. لقد أصبح الأمر متكرراً لدرجة أننا بحاجة ماسة لأدوات تمكننا من مواجهته”.
بكتيريا “غوردونيا”.. المكنسة البيولوجية
في ورقة بحثية نُشرت مطلع أكتوبر في دورية PLOS One، كشف الباحثون عن حل محتمل يكمن في الميكروبيوم الطبيعي للنبتة. الفريق البحثي قام بجمع أوراق من نباتات عنب “شاردونيه” و”كابيرنت ساوفيجنون” لعزل البكتيريا الموجودة عليها واختبار قدرتها على التفاعل مع مركبات الدخان.
قام العلماء بوضع هذه البكتيريا في أطباق اختبار، وقدموا لها مصادر غذاء مختلفة: الجلوكوز، أو “الغاياكول” (Guaiacol) – وهو أحد الفينولات المتطايرة الرئيسية المسببة لرائحة الدخان – أو لا شيء على الإطلاق. وكانت المفاجأة بظهور بقع برتقالية ساطعة في الأطباق التي احتوت على الغاياكول فقط، مما يعني أن البكتيريا كانت تتغذى عليه وتزدهر.
أظهر التحليل الجيني أن السلالات المسؤولة عن هذه العملية تنتمي لنوع من البكتيريا يُدعى (Gordonia alkanivorans). وعند مراقبة هذه السلالات، وجد الباحثون أنها تمكنت من تفكيك مركب الغاياكول بشكل شبه كامل في غضون 96 ساعة فقط، محولةً المادة الملوثة إلى لا شيء.
كيف يخدع الدخان حواسنا؟
تكمن مشكلة تلوث الدخان في طبيعته المخادعة. تحتوي أدخنة الحرائق على مركبات كيميائية تسمى “الفينولات المتطايرة” التي تتسلل عبر القشرة الشمعية للعنب. وبمجرد دخولها، تقوم حبات العنب بربط هذه الجزيئات الدخيلة بالسكريات، مما يؤدي إلى “سجن” الروائح الدخانية مؤقتاً.
بسبب هذا التمويه الكيميائي، قد يبدو العنب سليماً عند الحصاد. لكن الكارثة تقع أثناء عملية التخمير، حيث تتفكك الروابط السكرية وتتحرر المركبات الدخانية مرة أخرى، ليعود الطعم السيئ للظهور في المنتج النهائي. وهنا تبرز أهمية الاكتشاف الجديد؛ فاستخدام البكتيريا لمعالجة العنب قبل التخمير قد يقطع الطريق على هذه المركبات.
آمال وتحديات المستقبل
رغم الحماس لهذا الاكتشاف، يرى الخبراء أن الطريق لا يزال طويلاً. يشير كول سيراتو، الباحث في تلوث الدخان بجامعة ولاية أوريغون، إلى أن الحلول الحالية مثل تصفية النبيذ بالفحم المنشط غالباً ما تكون قاسية، حيث تسلب النبيذ لونه ونكهاته المرغوبة إلى جانب الطعم السيئ. ويقول: “هذا النهج الميكروبي يحمل إمكانية أن يكون أكثر دقة وتحديداً دون التأثير على جودة النبيذ الإجمالية”.
ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن بكتيريا G. alkanivorans انتقائية للغاية؛ فقد رفضت النمو على مركبات دخانية أخرى مشابهة للغاياكول. وبما أن تلوث الدخان ناتج عن كوكتيل من الفينولات المتطايرة، فإن القضاء على الغاياكول وحده لا يكفي. يختتم كولينز مشيراً إلى أن الخطوة القادمة تتطلب استكشاف المزيد من ميكروبيوم العنب للعثور على بكتيريا أخرى قادرة على التعامل مع باقي المركبات الدخانية، وربما تطوير “كوكتيل بكتيري” يعيد للنبيذ نقاءه.