Table of Contents
عندما انطلق مسبار صغير بحجم البيانو نحو الفضاء السحيق عام 2006، كانت المهمة تبدو ضرباً من الخيال العلمي لدرجة أن «كيلسي سينجر»، التي كانت طالبة جامعية آنذاك، شعرت بأن تسع سنوات ونصف للوصول إلى الهدف «زمن لا ينتهي». لكن اليوم، وبعد مرور عقد كامل على تلك اللحظة التاريخية في يوليو 2015، لا يزال هذا المسبار يعيد كتابة ما نعرفه عن النظام الشمسي.
رحلة إلى المجهول: أكثر من مجرد صخرة ميتة
احتفل المجتمع العلمي مؤخراً بالذكرى العاشرة لتحليق مسبار «نيو هورايزونز» (New Horizons) بالقرب من بلوتو، الكوكب القزم الذي سحر البشرية لسنوات. اقترب المسبار لمسافة 12,500 كيلومتر فقط من السطح، محولاً النقاط الضبابية التي كان يلتقطها تلسكوب هابل إلى عالم حقيقي معقد.

تقول سينجر، التي تشغل الآن منصب نائب الباحث الرئيسي للمهمة في معهد أبحاث الجنوب الغربي في كولورادو: «توقعنا جميعاً أن يكون بلوتو أقل إثارة، ظنناه عالماً بارداً وميتاً. لكن منذ التحليق، قمنا فعلياً بإعادة كتابة الكتب الدراسية». كشفت البيانات عن كوكب قزم ينبض بالحياة الجيولوجية، حيث تتحرك الأنهار الجليدية، وتثور براكين الجليد، ويحيط به غلاف جوي غريب.
قلب بلوتو والمحيط السري
لعل أشهر ما كشفه المسبار هو المنطقة التي تأخذ شكل «قلب» واسع يمتد لنحو 1,600 كيلومتر. يوضح جيمس تاتل كين، عالم الكواكب في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، أن الفص الغربي من هذا القلب، المعروف باسم «سبوتنيك بلانيتيا» (Sputnik Planitia)، هو في الواقع نهر جليدي ضخم من النيتروجين يملأ حوض اصطدام قديم.
المثير للدهشة هو موقع هذا الحوض؛ فهو يقع عند خط الاستواء وبعيداً دائماً عن «شارون»، أكبر أقمار بلوتو. يشير هذا الترتيب الهندسي الدقيق إلى وجود توزيع غير عادي للكتلة داخل الكوكب. يرجح العلماء وجود كتلة إضافية تحت هذا السهل الجليدي، وقد تكون هذه الكتلة محيطاً سائلاً تحت السطح بدلاً من الصخور الصلبة.
يشبه كين الأمر بالفرق بين تدوير بيضة نيئة وأخرى مسلوقة؛ فوجود سائل في الداخل يسمح لقشرة الكوكب بالانزلاق والحركة، مما يضمن بقاء «سبوتنيك بلانيتيا» و«شارون» في وضعية التقابل العكسي الدائم. هذا الاكتشاف يفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل تخفي أجرام حزام كايبر الأخرى محيطات سرية قد تكون صالحة للحياة؟
نشاط جيولوجي يتحدى البرودة
لم يتوقف إبهار بلوتو عند قلبه الجليدي؛ فالسطح مليء ببراكين تنفث خليطاً جليدياً مائياً بدلاً من الحمم البركانية الساخنة، وهو ما يعرف بـ«البركانية الباردة» (Cryovolcanism). وجود هذه البراكين يعني أن الجليد المائي هناك قادر على الحركة والتدفق، وهو أمر يصعب تفسيره في درجات حرارة تقل عن 200 درجة مئوية تحت الصفر.
يشير بيل ماكينون، عضو فريق المهمة من جامعة واشنطن، إلى أن سطح الجليد النيتروجيني يُظهر نمطاً يشبه «غليان الشوفان ببطء»، حيث ترتفع المواد الدافئة وتهبط الباردة في عملية حمل حراري مستمرة، مما يعني أن بلوتو لا يزال يحتفظ بحرارة داخلية تحرك جيولوجيته، رغم صغر حجمه وبعده الهائل عن الشمس.
غلاف جوي أزرق وضبابي
عندما ألقى المسبار نظرته الوداعية على بلوتو، التقط مشهداً ساحراً لغلاف جوي ضبابي يتكون من طبقات متعددة.

يتكون هذا الغلاف في الغالب من النيتروجين، مع كميات من الميثان وأول أكسيد الكربون التي تتسامى من الجليد السطحي. يشرح تانغي برتراند، من مرصد باريس، أن ضوء الشمس يحفز تفاعلات كيميائية في الارتفاعات العالية، مما يخلق ضباباً صلباً يشبه السحب الجليدية. ويعكف العلماء حالياً على فهم سبب انقسام هذا الضباب إلى طبقات متميزة، مرجحين أن تكون موجات الغلاف الجوي الناتجة عن الرياح والتضاريس هي السبب وراء هذا التشكيل البديع.
ما بعد بلوتو: رحلة إلى حافة النظام الشمسي
لم تنتهِ مهمة «نيو هورايزونز» عند بلوتو. واصل المسبار رحلته الخطية مبتعداً عن الأرض لمسافة تجاوزت الآن 9 مليارات كيلومتر، مستمراً في جمع البيانات حول الرياح الشمسية والغبار الفضائي.

في عام 2019، حقق المسبار إنجازاً آخر بالتحليق قرب جرم «أروكوث» (Arrokoth) في حزام كايبر، والذي كشف شكله الشبيه بـ«رجل الثلج» المفرطح عن أسرار كيفية تراكم الغبار والغاز لتكوين الكواكب في بدايات النظام الشمسي.
الآن، يتجه المسبار نحو المنطقة الفاصلة بين تأثير الشمس والفضاء بين النجمي. تقول سينجر: «هذه فرصة نادرة جداً لعبور هذه الحدود ودراسة الفقاعة الواقية التي نعيش بداخلها». وحدهما مسبارا «فوييجر» (Voyager) سبقا نيو هورايزونز إلى هذا المجال، لكن أدوات المسبار الحديث تفوقهما تطوراً بمراحل.

مستقبل غامض وتهديدات بالتمويل
رغم الإنجازات العلمية الهائلة والحالة الممتازة لأدوات المسبار التي تسمح له بالعمل لـ 25 سنة أخرى، يواجه المشروع تحدياً أرضياً يتمثل في تهديدات بتخفيض ميزانية ناسا لعام 2026. تحذر فران باجينال، عالمة الكواكب بجامعة كولورادو، من أن إيقاف هذه المهام يعني ضياع استثمارات استمرت لعقود: «إذا أطفأت هذه الأجهزة… لا يمكنك استعادتها».
بينما تدرس الإدارة الأمريكية الميزانيات، يواصل المسبار الصغير سباحته في الظلام، حاملاً معه إرثاً من الاكتشافات التي حولت نظرتنا لأطراف مجموعتنا الشمسية من مجرد صخور ميتة إلى عوالم تزخر بالأسرار والنشاط.