Table of Contents
في مشهد غير مألوف داخل مطبخه الخاص، وبقدمين حافيتين، وقف كريس باك ممسكاً بزجاجة بيرة ليتوانية غائمة، مستعداً لارتشاف ما قد يكون أول “لقاح” في العالم يتم تقديمه عبر مشروب كحولي. لم تكن هذه مجرد تجربة لهواة التخمير المنزلي، بل خطوة جريئة ومثيرة للجدل من قبل عالم فيروسات مرموق في المعهد الوطني للسرطان (NCI) بالولايات المتحدة، قرر تجاوز البروتوكولات الرسمية واختبار ابتكاره العلمي على نفسه.
هذه الرشفة الجريئة لم تفتح الباب أمام نقاشات علمية حول مستقبل اللقاحات الفموية فحسب، بل أشعلت فتيل أزمة أخلاقية وقانونية وضعت مستقبل باك المهني على المحك، حيث يواجه الآن تحقيقات إدارية وإجازة إجبارية بسبب تجاوزه لجان أخلاقيات البحث العلمي.
من المختبر إلى المطبخ: قصة “بيرة اللقاح”
كريس باك ليس دخيلاً على هذا المجال؛ فهو عالم متخصص اكتشف أربعة من أصل 13 نوعاً معروفاً من “الفيروسات الورمية المتعددة” (Polyomaviruses) التي تصيب البشر. هذه الفيروسات، وخاصة نوع يسمى (BK polyomavirus)، تشكل خطراً كبيراً على مرضى زراعة الكلى والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، وقد ترتبط ببعض أنواع السرطان.

بدأت القصة عندما كان باك وفريقه يعملون على تطوير لقاح تقليدي قابل للحقن ضد هذا الفيروس. لكن النتائج المخبرية قادتهم إلى تساؤل غير تقليدي: هل يمكن إنتاج اللقاح وتناوله عبر الفم باستخدام خميرة الخبز والبيرة العادية (Saccharomyces cerevisiae)؟
قام باك بتعديل جيني للخميرة لتنتج بروتيناً شبيهاً بغلاف الفيروس، مما يحفز الجهاز المناعي دون التسبب في المرض. وبعد نجاح التجارب الأولية على الفئران التي تناولت الخميرة المعدلة بشهية، قرر باك القفز فوق الحواجز البيروقراطية وتجربة الأمر على الكائن البشري الوحيد المتاح له قانونياً دون تعقيدات (من وجهة نظره): هو نفسه.
التحايل على المناعة… وعلى البيروقراطية
رغم أن لجان الأخلاقيات في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) رفضت طلبه لإجراء التجربة الذاتية، إلا أن باك اعتبر أن ما يفعله في منزله الخاص يقع خارج سلطتهم. أسس شركة غير ربحية باسم “Gusteau Research Corporation” – تيمناً بالطباخ في فيلم الرسوم المتحركة “راتاتوي” – وبدأ في تخمير بيرة تحتوي على الخميرة المعدلة وراثياً.

في أواخر مايو 2025، شرب باك دفعته الأولى. والنتيجة؟ وفقاً لبيانات نشرها على منصات غير خاضعة لمراجعة الأقران، ارتفعت مستويات الأجسام المضادة لديه ضد فيروس BK بشكل ملحوظ، دون أي آثار جانبية سلبية ظاهرة. وتكرر الأمر مع شقيقه وأفراد آخرين من عائلته.
يقول باك مبرراً تصرفه: “البيروقراطية تعيق العلم، وهذا أمر غير مقبول بالنسبة لي. أسبوع واحد يموت فيه الناس لأنهم لا يعرفون عن هذا الحل ليس أمراً هيناً”.
جدل علمي وأخلاقي واسع
أثار هذا التصرف انقساماً حاداً في المجتمع العلمي. فمن ناحية، يرى بعض الخبراء مثل مايكل إمبريال، عالم الفيروسات بجامعة ميشيغان، أن هذا النهج خطير وغير مسؤول. ويحذر قائلاً: “لا يمكننا استخلاص استنتاجات بناءً على اختبار شخصين فقط”. المخاوف تتركز حول السلامة، الفعالية، واحتمالية أن يؤدي فشل مثل هذه التجارب المنزلية إلى زعزعة ثقة الجمهور في اللقاحات التقليدية المعتمدة.

من جهة أخرى، يرى مؤيدون مثل برايس شاكريان، عالم الفيروسات بجامعة نيو مكسيكو، أن الفكرة بحد ذاتها واعدة علمياً، خاصة أن اللقاحات الفموية موجودة بالفعل (مثل شلل الأطفال). ويضيف أن تجاوز باك للقيود قد يكون مبرراً في ظل البطء الشديد للإجراءات التنظيمية، واصفاً ما فعله بـ “خيار جريء، لكنه مثير للاهتمام”.
هل يصبح الغذاء هو الدواء القادم؟
تفتح تجربة “بيرة اللقاح” الباب أمام مفهوم ثوري: تحويل الأطعمة إلى وسائل لتوصيل اللقاحات. يرى باك أن الخميرة المعدلة يمكن بيعها كمنتج غذائي أو مكمل، مما يضعها في منطقة رمادية تنظيمياً بعيداً عن تعقيدات إدارة الغذاء والدواء (FDA) الصارمة الخاصة بالأدوية.
وبينما يواجه باك الآن تحقيقات قد تنهي مسيرته في المؤسسات الحكومية، فإنه يصر على أن ما فعله هو جوهر عمل العالم: “مهمتي هي إنتاج المعرفة ونشرها… هذا أهم عمل في مسيرتي المهنية، وهو يستحق المخاطرة”. يبقى السؤال المعلق: هل سنشهد مستقبلاً يخمّر فيه الناس لقاحاتهم في مطابخهم، أم ستظل هذه التجربة مجرد فصل مثير للجدل في تاريخ الطب الحديث؟