Table of Contents
كثيرًا ما نظن أن العلم يقدم حقائق جامدة غير قابلة للنقاش، لكن الواقع يخبرنا أن العلم حوار مستمر، وعملية دائمة من التدقيق والمراجعة. فبينما تتصدر العناوين الكبيرة واجهات الصحف، تكمن الشياطين — والتفاصيل الأكثر إثارة — في الهوامش والملاحظات الدقيقة التي يتبادلها العلماء والقراء المطلعون. في هذا السياق، شهدت الأسابيع الماضية نقاشات علمية ثرية أثارتها تغطيات صحفية حديثة، بدءًا من محاولة تعريف الجنس البيولوجي بناءً على حجم الخلايا، وصولًا إلى حقيقة وجود كميات من البلاستيك في أدمغتنا تعادل وزن أغطية الزجاجات، وانتهاءً بتصحيحات كيميائية ضرورية.
ما وراء ثنائية الحجم: تعقيدات الجنس البيولوجي
في محاولة لتبسيط المفاهيم، تميل بعض الجهات الرسمية والسياسية إلى تعريف الجنس البشري بناءً على معيار ظاهري بسيط: الحجم. وفقًا لهذا المنظور، يُصنّف الفرد كأنثى إذا كان جسمه ينتج الخلية التناسلية “الكبيرة” (البويضة)، وكذكر إذا كان ينتج الخلية “الصغيرة” (الحيوان المنوي). لكن البيولوجيا، كما هي عادتها، ترفض هذا التبسيط المخل.

يشير روت جورليك، عالم الأحياء بجامعة كارلتون في أوتاوا، إلى أن الاعتماد على الحجم لتعريف الجنس هو أمر شائك للغاية؛ فالخلايا التناسلية تتغير بشكل جذري خلال مراحل التطور الجنيني. ففي الأجنة النامية، تتشكل أسلاف البويضات والحيوانات المنوية — المعروفة باسم الخلايا الجرثومية الأولية (Primordial Germ Cells) — قبل أن تتكون المبايض أو الخصيتين. المثير للدهشة أن هذه الخلايا تكون ضخمة الحجم ومتشابهة تقريبًا في البداية، بغض النظر عما إذا كان الجنين سيطور لاحقًا خصية أو مبيضًا.
عندما تصبح البيولوجيا “أكثر غرابة” عند الذكور
تزداد الأمور تعقيدًا بعد تشكّل الغدد التناسلية وبدء عملية الانقسام المنصّف (Meiosis)، وهي الآلية التي تنتج الخلايا الجنسية. في الإناث، تنتج هذه العملية بويضة واحدة كبيرة وجسمين قطبيين صغيرين غير قادرين على الإخصاب. لكن جورليك يلفت الانتباه إلى أن العملية عند الذكور “أكثر غرابة” مما نتخيل.
قبل الانقسام المنصّف لدى الذكور، تقوم الخلية الجرثومية بنسخ جينومها عدة مرات دون أن تنقسم إلى خلايا مستقلة. والنتيجة؟ خلية واحدة عملاقة تحتوي على أنوية متعددة. هذه الخلية الضخمة تقوم لاحقًا “بقذف” العديد من الحيوانات المنوية الدقيقة، تاركة وراءها السيتوبلازم المتبقي ككتلة كبيرة تسمى “الجسم المتبقي” (Residual body) خالية من الأنوية. هذا التفصيل الدقيق ينسف فكرة أن الذكورة البيولوجية مرتبطة حصريًا بالخلايا الصغيرة منذ البداية.
أغطية الزجاجات في أدمغتنا: حقيقة أم مبالغة؟
انتقالًا من الخلايا الجنسية إلى التلوث البيئي، أثار تقرير حديث حول تراكم اللدائن الدقيقة (Microplastics) في الدماغ البشري فزع الكثيرين، خاصة مع استخدام تشبيه مثير للجدل: “ما يعادل وزن ثلاثة أغطية زجاجات من البلاستيك”. هذا التشبيه دفع القراء للتساؤل عن دقة الحسابات.
لتوضيح هذا اللغط، بيّنت الكاتبة العلمية لورا ساندرز أن هذا الرقم هو تقدير إحصائي يعتمد على ضرب متوسط تركيز اللدائن الدقيقة (الذي ارتفع من 3,345 إلى 4,917 ميكروغرام لكل غرام من نسيج الدماغ) في متوسط وزن الدماغ البشري. النتيجة الحسابية تقارب بالفعل وزن ثلاثة أغطية زجاجات.
ومع ذلك، يشدد العلماء على ضرورة التعامل مع هذه المقارنة بحذر. فأوزان الأدمغة تختلف من شخص لآخر (كما تختلف أوزان أغطية الزجاجات!). والأهم من ذلك، أن الدراسة قامت بقياس اللدائن في عينات مأخوذة من “القشرة الجبهية” (Frontal Cortex) فقط. وعليه، ليس من الواضح تمامًا ما إذا كان توزيع البلاستيك متساويًا في جميع مناطق الدماغ أم أنه يتركز في مناطق محددة دون غيرها، مما قد يغير من دقة الحساب الإجمالي.
الدقة هي جوهر العلم
لا يكتمل المشهد العلمي دون تصحيح المفاهيم الخاطئة، مهما كانت صغيرة. ففي سياق آخر، وجب التنويه إلى خطأ شائع تداولته بعض التقارير حول غاز الرادون، حيث وُصف بأنه غاز قابل للاشتعال، بينما هو في الحقيقة غاز خامل (Inert gas). مثل هذه التصحيحات، سواء كانت حول كيمياء الغازات، أو تعقيدات البيولوجيا، أو إحصائيات التلوث، تذكرنا دائمًا بأن العلم ليس مجرد مجموعة من الحقائق النهائية، بل هو سعي دؤوب نحو دقة أكبر وفهم أعمق للعالم من حولنا.