Table of Contents
في اللحظة التي يخرج فيها الرضيع إلى هذا العالم، يبدأ جهاز مناعته الوليد في خوض معركة شرسة ومستمرة ضد جيوش لا حصر لها من الميكروبات. وبينما ينظر بعض الآباء بقلق إلى جدول التطعيمات المزدحم، متسائلين عما إذا كانت أجساد أطفالهم الغضة قادرة على تحمل كل هذه الحقن في وقت مبكر، تأتي لغة العلم لتحسم الجدل بحقائق بيولوجية راسخة. إن الفكرة القائلة بأن “تأخير” اللقاحات أو توزيعها على فترات متباعدة هو خيار أكثر أماناً، ليست مجرد سوء فهم لآلية عمل الجسم البشري فحسب، بل هي قنبلة موقوتة تهدد بنسف عقود من التقدم الصحي الذي حمى البشرية من أوبئة فتاكة.
وهم “الجدول البديل” والأمان الزائف
شهدت السنوات الأخيرة صعوداً مقلقاً لظاهرة ما يُسمى “الجداول الزمنية البديلة”، حيث يختار بعض الآباء تأجيل تطعيمات معينة أو المباعدة بينها، ظناً منهم أن ذلك يخفف العبء عن أطفالهم. لكن دراسات حديثة، بما فيها أبحاث نشرت في دوريات مرموقة مثل JAMA Health Forum، تشير إلى أن هذا التصرف يترك الأطفال عزلاً بلا حماية في أكثر الفترات التي يكونون فيها عرضة للخطر.
إن الجدول الزمني القياسي للتطعيمات، الذي وضعته لجان علمية متخصصة مثل اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين (ACIP) في الولايات المتحدة، ليس اعتباطياً. إنه مصمم بدقة متناهية ليتزامن مع النوافذ الزمنية التي يبدأ فيها تلاشي المناعة المكتسبة من الأم، والوقت الذي يكون فيه الرضيع قادراً على بناء استجابة مناعية خاصة به. أي تأخير يعني ببساطة ترك “باب الحصن” مفتوحاً أمام الفيروسات لتدخل قبل وصول الحراس.
الحصبة.. جرس الإنذار المبكر
تُعد الحصبة بمثابة “طائر الكناري” في منجم الصحة العامة؛ فهي أول مرض يعود للظهور بمجرد حدوث أي تراجع طفيف في معدلات التطعيم نظراً لسرعة انتشارها الهائلة. وقد سلط الباحثون، مثل فريق (كي. بي) وزملائه في دراستهم المنشورة عام 2025، الضوء على سيناريوهات مقلقة لتفشي الحصبة في مناطق مثل تكساس، موضحين كيف يمكن للقرارات الفردية بتأخير اللقاح أن تؤدي إلى انهيار في “مناعة القطيع”.
عندما ينخفض غطاء التطعيم، لا يقتصر الخطر على الأطفال غير المطعمين فحسب، بل يمتد ليهدد الرضع الذين لم يبلغوا سن التطعيم بعد، والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة ولا يمكنهم تلقي اللقاحات. إن عودة أمراض كان يُعتقد أنها قضي عليها، كما أشار (إم. في. كيانج) وفريقه، تعني أننا نفقد الأرضية الصلبة التي وقفنا عليها لعقود، مما يعيدنا إلى مربع الخوف من أوبئة ظننا أنها أصبحت من الماضي.
هل تُرهق اللقاحات مناعة الطفل؟
أحد أكثر المخاوف شيوعاً بين الآباء هو أن كثرة اللقاحات قد “تُطغى” على جهاز المناعة أو تضعفه، مما يجعل الطفل عرضة لعدوى أخرى. لكن العلم يخبرنا العكس تماماً. في دراسة محورية نشرت في JAMA، قام الباحث (جاي. إم. جلانز) وفريقه بفحص ما إذا كان التعرض التراكمي لمستضدات اللقاح (Antigens) في العامين الأولين من العمر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض غير مستهدفة باللقاحات.
كانت النتائج حاسمة ومطمئنة: لا يوجد أي دليل على أن اللقاحات تضعف قدرة الطفل على محاربة أمراض أخرى. في الواقع، يتعرض الطفل في يوم واحد من اللعب على الأرض أو وضع الألعاب في فمه لعدد من المستضدات والميكروبات يفوق بكثير ما تحتويه جميع اللقاحات مجتمعة. اللقاحات، بكل بساطة، هي تمرين آمن ومنظم لجهاز المناعة، وليست عبئاً عليه.
الثمن الباهظ للتراجع
إن نجاح اللقاحات المذهل هو، للمفارقة، أحد أسباب التشكيك فيها. كما أشارت الباحثة (ك. إم. إدواردز) في تأملاتها حول نجاحات طب الأطفال، فإن اختفاء أمراض مثل شلل الأطفال والجدري من حياتنا اليومية جعلنا ننسى الرعب الذي كانت تسببه. لقد أصبح الخوف من الآثار الجانبية النادرة للقاح يطغى على الخوف من الأمراض المميتة التي لم يعد يراها الجيل الجديد من الآباء.
ومع ذلك، فإن البيانات الاقتصادية والصحية، مثل تلك التي حللها (إف. تشو) وزملاؤه، تظهر أن برامج تطعيم الأطفال الروتينية توفر مليارات الدولارات وتمنع ملايين الوفيات والإعاقات. إن العودة إلى الوراء ليست مجرد خيار صحي خاطئ، بل هي كارثة اقتصادية وإنسانية. المستقبل يتطلب منا ليس فقط الالتزام بالجداول العلمية، بل أيضاً تعزيز الثقة في المؤسسات التي تحرس صحة أطفالنا، فالميكروبات لا تتفاوض، ولا تنتظر حتى نكون مستعدين.