تأجيل شم النسيم.. العادة المصرية التي منعها رمضان وغيبتها الأوبئة

قبضة من حديد أعلنتها الحكومة المصرية في محاولة أخيرة لمنع تفشي الوباء في زحام شم النسيم، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إلغاء العادة المصرية القديمة.

الحجر الصحي يحرم المصريين من الاحتفال بشم النسيم في المتنزهات هذا العام (الجزيرة)

شيماء عبد الله

مع تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد-19)، ألغت الحكومة المصرية مظاهر الاحتفال بشم النسيم لربيع 2020، حيث أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرارا بسريان الحظر الكلي في يومي الجمعة والسبت إلى يوم الاثنين الموافق 20 أبريل/نيسان الجاري.

وبموجب القرار تم إيقاف محاولات الخروج من القاهرة، وأغلقت الشواطئ العامة والحدائق، ومنع الناس من التجمعات، وتم تعطيل المرافق والمواصلات العامة والسكك الحديدية.

قبضة من حديد أعلنتها الدولة في محاولة أخيرة لمنع تفشي الوباء في زحام شم النسيم، لكن هل هي المرة الأولى التي يتم فيها إلغاء العادة المصرية القديمة، ويختفي البيض الملون، وكعكة الربيع، وروائح الأسماك المملحة من شوارع المحروسة؟

شبح الكوليرا
كورونا ليس المتهم الوحيد بحرمان المصريين من الاحتفال بشم النسيم في 2020، فقد سبقته الكوليرا، التي جاءت من احتفالات موسم “البلح الحياني”، في محافظات الدلتا المصرية (الشرقية والدقهلية والغربية) في العام 1947، وهو الموسم العاشر والأخير للكوليرا في مصر.

كتب الدكتور نصر أبو ستيت في مذكراته الطبية عن هذه الحقبة التاريخية في حياة المصريين، قائلا إن من بين أسباب انتشار الكوليرا هو قدرة الفيروس على العيش لمدة ثلاثة أو أربعة أيام في قشرة البلح الخارجية، والانتقال عبر الماء الملوث.

كان الرهان على وعي الشعب غير مجد، فقررت الحكومة المصرية آنذاك إلغاء التجمعات والاحتفالات بالأعياد وتقليل الزحام بكافة الأشكال والسبل، وتوعية الشعب عبر الأغاني بشأن قدرة الفيروس على اختراق أجسادهم من خلال الطعام الملوث، وعلى رأسه فسيخ شم النسيم: “خلي بالك م الرغيف.. ده العيش مش نضيف”، “اوعى تاكل جبنة بيضا.. تلقى حالتك تبقى عيضة”.

تزامن رمضان والربيع
الكوليرا ومن بعدها كان رمضان، الشهر الفضيل الذي يهل هذا العام بعد أربعة أيام من شم النسيم، ليبدأ العالم الإسلامي في الاحتفال بالشهر الكريم بدءا من ليلة رؤية الهلال الأربعاء القادم، إذ يعد هذا العام هو الأخير، قبل اقتران شم النسيم برمضان لعدة أعوام قادمة.

لربما يتسبب ذلك في أزمة جديدة مثلما حدث في الخمسينيات من القرن الماضي، حين تزامن شم النسيم مع رمضان، فاختلفت الفتاوى في الاحتفال به، وانتصرت الفتوى الشرعية للصيام بوصفه عبادة، بينما جمع المصريون بين عباداتهم وعادتهم، فصاموا نهارهم طائعين، وأفطروا على الفسيخ والرنجة مستمتعين.

عنوان تحقيق مجلة آخر ساعة حول تأجيل شم النسيم عام  1956 (مواقع التواصل)

في عام 1956، نشرت مجلة آخر ساعة تحقيقا صحفيا، تطالب فيه بتأجيل الاحتفال بشم النسيم بسبب تزامنه مع شهر رمضان، واستعانت المجلة بآراء دينية مؤيدة ومعارضة، مسلمة ومسيحية.

عارض الشيخ الأزهري محمد أبو زهرة، أستاذ الشريعة بكلية الحقوق آنذاك، فكرة التأجيل، واعتبر أن مجرد طرحها دليل على سوء النية والقصد، معتبرا شم النسيم عيدا للطبيعة وبهجة للنفوس، ولا تعارض بين ذلك وبين شهر رمضان.

في حين قال القمص ميخائيل عبد المسيح، وكيل بطريركية الأقباط الأرثوذكس، إنه لا صلة للمسيحيين بعيد شم النسيم، فهو عادة مصرية مرتبطة بمواقيت الزراعة، وربطها بعيد القيامة كان من باب التسهيل، لذا لا مشكلة من تأجيل شم النسيم، لكن لا يمكن تأجيل عيد القيامة بسبب رمضان.

ربما في الأعوام القادمة سيضطر المصريون لتأجيل احتفالهم بصباح شم النسيم المنعش لعدة ساعات، يستمتعون بعدها ببعض طقوس ذلك اليوم المميز في حياتهم بعد آذان المغرب، وقد يكتفون بالأسماك المملحة والمدخنة والأكلات التراثية المرتبطة بهذا اليوم، غير أن معظمهم سيتجنب تلك الأكلات خوفا من معاناة العطش في اليوم التالي.

لكن المؤكد هذا العام أن الأسر المصرية ستكتفي بشم النسيم من الشرفات وأسطح المنازل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *