Table of Contents
هل يُعدّ فقدان الذاكرة ضريبة حتمية لطول العمر؟ وهل نحن مستعدون لمواجهة “تسونامي” من التدهور المعرفي قد يضرب الأنظمة الصحية في العقود المقبلة؟ هذه الأسئلة لم تعد مجرد تأملات فلسفية، بل هي جوهر أرقام صادمة كشفت عنها أحدث النمذجات الإحصائية في الولايات المتحدة. فبينما يحتفل العالم بزيادة متوسط عمر الإنسان، يبرز ظل ثقيل يرافق هذه الشيخوخة: الخرف، ذلك الشبح الذي يهدد بمحو ذكريات وهويات الملايين إذا لم تتخذ خطوات استباقية حاسمة.
أرقام تتجاوز التوقعات السابقة
في تحليل وبائي دقيق نشرته دورية Nature Medicine في الثالث عشر من يناير، رسم العلماء صورة قاتمة لمستقبل الصحة العقلية مع تقدم جيل “طفرة المواليد” في العمر. التوقعات الجديدة تشير إلى أنه بحلول عام 2060، ستسجل الولايات المتحدة وحدها مليون حالة إصابة جديدة بالخرف سنوياً.

الخرف، وهو مصطلح شامل يغطي مجموعة واسعة من الأعراض التي تؤثر على الذاكرة والتفكير واللغة وتعيق الحياة اليومية، يصيب حالياً أكثر من 6 ملايين شخص في الولايات المتحدة. لكن ما يثير القلق ليس الرقم الحالي فحسب، بل وتيرة الارتفاع المتسارعة.
ويعلق جوزيف كوريش، عالم الوبائيات في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك، واصفاً الوضع بأنه “مشكلة ضخمة”. ويرى كوريش أن ارتفاع أعداد المصابين ليس مفاجئاً في ظل شيخوخة السكان، ولكن حجم هذا الارتفاع هو الذي يدق ناقوس الخطر؛ حيث يقدر فريقه أن 42% من الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 55 عاماً سيصابون بالخرف في وقت ما خلال حياتهم، وهي نسبة تبلغ ضعف التقديرات التي طرحتها دراسات سابقة.
منهجية بحثية تكشف “المخفي”
لماذا جاءت هذه الأرقام أعلى بكثير مما اعتدنا سماعه؟ الإجابة تكمن في المنهجية الصارمة التي اتبعها فريق جامعة نيويورك. لم يعتمد الباحثون على السجلات الطبية الروتينية فقط، بل أسسوا تقديراتهم على عينة ضخمة ومتنوعة شملت أكثر من 15,000 مشارك، تمت متابعتهم لسنوات، وفي بعض الحالات لعقود.
لقد غاص الباحثون في سجلات المستشفيات والوفيات، لكنهم لم يكتفوا بذلك؛ بل أجروا تقييمات شخصية للمشاركين، بالإضافة إلى فحوصات دورية عبر الهاتف. ويشير كوريش إلى أن الفريق دأب على الاتصال بالمشاركين مرتين سنوياً طوال العقد الماضي. هذه النافذة المباشرة على حياة الناس سمحت للعلماء برصد حالات خرف كانت ستمر دون أن تلاحظها الأنظمة الصحية التقليدية أو تسجلها الإحصاءات الرسمية، مما يكشف عن الحجم الحقيقي للأزمة.
عوامل الخطر: العمر والجينات والفوارق الديموغرافية
على الرغم من أن الدراسة ركزت على من تجاوزوا سن الخامسة والخمسين، إلا أن بذور الخطر تكمن في الجسم قبل ذلك بعقود. ومع تقدم الإنسان في العمر، يرتفع منحنى الخطر بشكل حاد. الدراسة أظهرت تباينات واضحة في مستويات الخطر بين الفئات المختلفة؛ حيث تبين أن النساء، والأمريكيين من أصل أفريقي، والأشخاص الذين يحملون متغيرات جينية محددة مرتبطة بمرض ألزهايمر، هم الأكثر عرضة للإصابة.
هذا التفاوت يسلط الضوء على ضرورة عدم التعامل مع الخرف كقدر موحد للجميع، بل كحالة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والاجتماعية، مما يستدعي استراتيجيات وقاية مخصصة لكل فئة.
بارقة أمل: الوقاية ممكنة
رغم قتامة الأرقام، يؤكد كوريش أن هناك سبباً للأمل. الخطر المرتفع لا يعني حتمية الإصابة؛ فأدمغتنا ليست محكومة بالتدهور بشكل قدري لا مفر منه. النقطة المحورية هنا هي أن “الكثير من مخاطر الخرف قابلة للتعديل”.
تغيير نمط الحياة يلعب دوراً حاسماً في معادلة الصحة العقلية. تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، والمواظبة على التمارين الرياضية، يمكن أن يقللا بشكل كبير من خطر الإصابة الفردية. ولكن هناك عاملاً آخر يغفل عنه الكثيرون: حاسة السمع.
تشير الأبحاث، بما فيها دراسة نشرت عام 2023، إلى أن كبار السن الذين يعانون من ضعف السمع واستخدموا المعينات السمعية (السماعات الطبية) شهدوا معدل تدهور معرفي أقل مقارنة بنظرائهم الذين لم يستخدموها. وللعلماء فرضيات عدة حول ذلك؛ فمن المحتمل أن تساعد المعينات السمعية في الحفاظ على بنية الدماغ، أو أنها ببساطة تمكن الأشخاص من البقاء منخرطين اجتماعياً وتمنع العزلة، وهو عامل حيوي لتنشيط الدماغ والحفاظ على صحته.
في النهاية، يضعنا هذا البحث أمام حقيقة مزدوجة: نحن مقبلون على تحدٍ ديموغرافي وصحي غير مسبوق، لكننا نمتلك أيضاً الأدوات والمعرفة لتخفيف وطأته إذا بدأنا التحرك الآن.