Table of Contents
تخيلوا كائناً أخضر اللون، ضخم البنية، يمتلك قدرات خارقة تميزه عن أقرانه، لكنه ليس بطل قصص مصورة، بل كائن مجهري قد يحمل مفتاحاً لإنقاذ كوكبنا. في الوقت الذي تتسابق فيه الحلول التكنولوجية لمواجهة أزمة المناخ، يبدو أن الطبيعة قررت أن تفاجئنا بحل غير متوقع يكمن في قاع أنبوب اختبار، حيث ظهرت سلالة بكتيرية طافرة تتميز بشهية مفتوحة للكربون وقدرة استثنائية على الغوص إلى الأعماق، مما يرشحها لتكون الجندي المجهول في معركة البشرية ضد الاحتباس الحراري.
اكتشاف في المياه البركانية
بدأت القصة في المياه الضحلة المشمسة قبالة سواحل جزيرة فولكانو الإيطالية، حيث تتسرب الغازات البركانية من باطن الأرض لتختلط بمياه البحر. هذه البيئة الفريدة، المشبعة بثاني أكسيد الكربون، شكلت مسرحاً مثالياً للباحث ماكس شوبرت، عالم الأحياء الدقيقة السابق في معهد “ويس” بجامعة هارفارد، الذي كان يبحث عن ميكروبات قادرة على الازدهار في ظل وفرة الكربون.
وفي خضم هذه المياه الفوارة، عثر الفريق البحثي على ما لم يكن في الحسبان: سلالة طافرة تلقائياً من البكتيريا الزرقاء المعروفة علمياً باسم Synechococcus elongatus. وبينما تُعرف هذه البكتيريا بكونها قاعدة الشبكات الغذائية في المحيطات وكائن مفضل في المختبرات لسرعة نموها، فإن السلالة الجديدة كانت شيئاً مختلفاً تماماً، مما دفع الباحثين لإطلاق اسم “تشانكس” (Chonkus) عليها، وهو لقب يوحِي بالامتلاء والوزن الثقيل.
خصائص “العملاق” المجهري
عندما نقل العلماء هذه السلالة إلى المختبر، لاحظوا فوراً أنها نسخة “مشحونة” من البكتيريا الأصلية. فقد أظهرت الدراسة المنشورة في دورية Applied and Environmental Microbiology أن خلايا “تشانكس” أكبر حجماً وتشكل مستعمرات أضخم مقارنة بالسلالات الأخرى سريعة النمو. لكن الميزة الأبرز لم تكن في الحجم فحسب، بل في المحتوى؛ إذ اكتشفت الدراسة وجود حبيبات بيضاء كثيفة داخل الخلايا تعمل كمخازن للكربون.
هذه الكثافة العالية منحت البكتيريا خاصية فيزيائية نادرة ومهمة للغاية: الثقل. ففي تجربة بسيطة داخل أنبوب اختبار، وبدلاً من أن تطفو في الماء كغيرها، هوت بكتيريا “تشانكس” بسرعة لتستقر في القاع مشكلة طبقة من الوحل الأخضر الكثيف. هذه الخاصية الميكانيكية البسيطة قد تكون العامل الحاسم في تحويل هذا الكائن الدقيق إلى أداة جيولوجية فعالة.
من المختبر إلى قاع المحيط
لماذا يُعد الغرق ميزة؟ في سياق عزل الكربون (Carbon Sequestration)، يعتبر بقاء الكائنات على السطح مشكلة، لأن تحللها يعيد إطلاق الكربون إلى الغلاف الجوي. أما الكائنات التي تمتص الكربون ثم تغرق بسرعة إلى قاع المحيط، فهي تساهم في دفن هذا الكربون وعزله عن الدورة المناخية لقرون طويلة. وهنا تكمن عبقرية “تشانكس”؛ فهي تجمع بين القدرة العالية على امتصاص الكربون بفضل بيئتها الأصلية الغنية به، والقدرة الميكانيكية على نقل هذا الكربون إلى الأعماق بفضل كثافتها.
ويشير الفريق البحثي إلى أن هذه الخصائص تجعل السلالة الجديدة مرشحاً أقوى بكثير من البكتيريا الزرقاء العادية التي تطفو عادة في المحيطات. إن الجمع بين النمو السريع، وتخزين الكربون بكثافة، والترسب السريع، يشكل “الثلاثية الذهبية” لأي حل بيولوجي مقترح لتقليل غازات الاحتباس الحراري.
أبطال من نوع آخر
يفتح اكتشاف “تشانكس” الباب واسعاً أمام احتمالية وجود كائنات دقيقة أخرى نادرة ومفيدة تختبئ في البيئات المتطرفة، مثل الينابيع البحرية الغنية بالكربون. ويرى الباحثون أن المحيطات قد تخفي في طياتها ترسانة بيولوجية كاملة يمكن توظيفها في استراتيجيات إزالة ثاني أكسيد الكربون.
في نهاية المطاف، قد لا تكون هذه الكائنات الدقيقة هي الأبطال الذين تخيلناهم في قصصنا الملحمية، فلا هي ترتدي عباءات ولا تملك عضلات مفتولة، لكن في مواجهة أزمة مناخية عالمية تتطلب حلولاً غير تقليدية، قد تكون هذه البكتيريا المكتنزة والكثيفة هي بالضبط نوع الأبطال الذي يحتاجه كوكبنا الآن.