لم يخطر يوما ببال المهندسين الأوائل في بلدية عمان أن المدينة ستنمو وتتسع وتتطور عمرانيا بهذا المقدار وبهذه السرعة، وأنها ستصبح أمانة عمان الكبرى المؤلفة من عدد كبير من المناطق أو الضواحي شبه المكتفى كل منها بالخدمات البلدية بما في ذلك النقل أو المواصلات مع قاع المدينة. ولذلك لم يحسنوا هندستها لسببين: السبب الأول سرعة النمو أو التطور المتجاوزة للسرعة الهندسية. والثاني: ضغط ملاك الأراضي عليهم ليهندسوا الشوارع حسب مصالحهم، فقلما تجد فيها شارعا مستقيماً. وكمثال جرب انزل من مجمّع النقابات نحو وزارة الصناعة والتجارة.
ونتيجة لذلك نشأت أنظمة نقل أو مواصلات مشتتة متشابهة فرعية عدة بمقدار عدد الضواحي وقاع المدينة، يتكون كل منها من باصات صغيرة، وسيارات سرفيس، وتكسيات متجولة. لم ينشأ نظام نقل عام أو مواصلات عامة تربط بين المناطق أو الضواحي غير التكسي، وحتى الباص السريع لم يغير من ذلك شيئا، مما جعل الناس يصفونه بالباص السريع.
وعليه صار النظام (اللا) هندسي في عمان معاديا لأي نظام للنقل العام، وأي محاولة لإنشاء نظام نقل عام متكامل وشامل تفشل وتتوقف، لأن البنية التحتية للمدينة – كما ذكرنا – معادية سلفاً لذلك، إلا إذا قمنا بهدم ما هو قائم وإعادة هندسة المدينة وهو أمر غير معقول، أو إلا إذا أنشأنا أنفاقا تحت المدينة القائمة، وهو أمر مكلف جدا لا قبل للدولة به، وقد لا يحل المشكلة. هذا هو الجزء الأول من المشكلة.
أما الجزء الثاني فاضطرار معظم الناس إن لم يكن جميعهم في عمان، فقيرهم وغنيهم، إلى اقتناء سيارات خاصة للتغلب على غياب وسائط النقل العام المباشرة والسهلة. فكانت النتيجة مدهشة، وهي فشلهم في الوصول إلى أعمالهم في الوقت المحدد بحجة الازدحام، وهو الجزء الثاني من المشكلة. لو كانت هناك مواصلات عامة متكاملة وشاملة لما اشتد الازدحام ولجأ الناس إليها للوصول إلى مراكز عملهم ولكنها غير موجودة.
لا أعرف أسباب خجل الحكومات من الرسوم المضافة إلى الوقود التي يمكن أن تخفف الأزدحام، مع أنها مستخدمة في كثير من دول العالم وعلنا، وكأحد أكبر مصادر دخل الحكومات فثمن لتر الديزل في إسرائيل أكثر من دينار وربع دينار، فلماذا تخشى حكوماتنا إعلان هذه السياسة ولماذا لا تدافع عنها؟ بالنسبة للمواطن الواعي بالكلفة، يستطيع إذا أراد خفض ما ينفقه على الوقود بالحد من الحركة غير اللازمة لتغطية الفرق المالي الجديد. وهو معنى الترشيد في الاستهلاك، أي صرف المبلغ السابق نفسه في كل مرة يرتفع فيها سعر الوقود بتقليل الحركة. بدوره يقلل هذا السلوك الراشد استيراد الدولة المزيد من الوقود.
سيظل الناس بغياب النقل العام المتكامل والشامل مضطرين لاستخدام سياراتهم الخاصة غير متزاحمين على ركوب الباص السريع للوصول إلى المناطق التي يعملون فيها او يقصدونها أو يتسوقون منها، لأنه لا يوصلهم إليها. لقد أدى غياب أو فشل محاولة إنشاء نقل عام متكامل وشامل في الأردن إلى اقتصار وسائط النقل العام القائمة المحدودة (الباصات) على الوافدين – إجمالا – والأقل حظا أو الأكثر فقرا.
لقد فشلت باصات النقل العام في الماضي في أداء المهمة نتيجة قصورها وامتلاك الدولة لها، ولكن بعضهم أثرى منها بالشراء والصيانة. ويعني هذا أن الأمانة بامتلاكها وتشغيلها وصيانتها لوسائط نقل عام قد تفلس، وبخاصة إذا أضفنا إلى ذلك حمولتها الكبرى من العاملين التي تزيد عن حمولة بلدية لندن، أو بلدية نيويورك، أو البنتاغون. المطلوب تشجيع القطاع الخاص للقيام بالمهمة مع فرض شروط السلامة – لا التسعير – عليه. وإذا كان القطاع العام يصر على امتلاك وسائط النقل العام وإدارته فلتقم وزارة النقل به كي تجد عملاً.
لتوفير الكلفة والطاقة على مستخدمي سيارات التكسي ومعظم سائقيها مستأجِرون لها بأجور يومية عالية، يجب أن يسمح لهم بالدوران من أي نقطة كما هو معمول به في لندن وليس إجبارهم على اتباع الالتفاف أو الدوران الأبعد المكلف عن الهدف المقصود، وهو ظاهرة أردنية، حيث يفرض على جميع السيارات الدوران من مسافة بعيدة جدا للوصول إلى هدف قريب على ما في ذلك من كلفة مزدوجة. إن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضعف الوعي بالكلفة عند المخططين والمقررين.
كنت أظن أن الباص السريع يعمل كهربائيا وأنه يتحرك من الطرفين ذهابا وإيابا ولخدمة طلبة الجامعات وبخاصة الجامعة الأردنية، وإذا بنا نُفاجأ بباص عادي وانه لا يحل المشكلة، فمن يذهب بسيارته الخاصة إليه وأين يوقفها، ليركبه إلى مكان عمله أو وجهته التي لا يصل إليها؟