رانيا الصرايرة

عمان – أكد تقرير متخصص ضرورة العودة إلى الأحكام الراسخة في قانون العمل وتفعيلها، وأيضا تفعيل دور اللجان المشكلة بموجبها وصلاحيات مفتشي العمل للرقابة على سلطة صاحب العمل، باعتبار ذلك أحد الحلول للخروج من “فوضى البلاغات الحكومية التي لم تقدم حلا للمشكلة الاقتصادية الناجمة عن تداعيات كورونا”.
وانتقد قوائم القطاعات الأكثر تضررا، كما انتقد ما جاء في أمر الدفاع 6 والبلاغات الصادرة عنه والتي أضرت “بالعامل أكثر من المؤسسات المتضررة”، وهو ما أكده خبير بالقول “من الواضح أن هذه الحلول بمجموعها تضمن للحكومة عدم تحمل أي مسؤولية مالية مباشرة تجاه كل من صاحب العمل والعامل، فتركت الطرفان يتقاسمان المسؤولية”.
ودعا الى تعزيز الدور التشاوري الذي فصل قانون العمل وقواعده من خلال اللجنة الثلاثية لشؤون العمل ومهامها، ولجنة النظر في إنهاء العقود وتعليقها، إضافة إلى سلطة الأجور والمحاكم النظامية، مطالبا بالعودة الى تطبيق أحكام قانون الضمان الاجتماعي خاصة تأمين التعطل، وإلغاء صلاحية صاحب العمل في وقف اشتراك الشيخوخة لعامليه.
وقال التقرير، الذي صدر عن بيت العمال للدراسات والأبحاث، مؤخرًا، ان أمر الدفاع رقم 6 والبلاغات الصادرة بموجبه فيما يتعلق بالأضرار التي أصابت مؤسسات القطاع الخاص تعامل باتجاهين، الأول يتعلق بأجور العاملين والثاني بالحفاظ على الوظائف.
من حيث الأجور، أوضح التقرير أن أمر الدفاع أجاز الاتفاق بين صاحب العمل والعامل الذي يؤدي عمله كالمعتاد على تخفيض أجره بحد أقصى يبلغ 30 % بشرط أن تكون هناك موافقة حرة للعامل على ذلك، وهو ما يعتبر محظورا في الوضع الطبيعي في قانون العمل حتى لو تم بموافقة العامل.
كما أجاز أمر الدفاع لصاحب العمل (بشرط موافقة وزارة العمل) أن يخفض أجر العامل المنقطع عن العمل بسبب الحظر إلى
50 % بحد أقصى، بينما “يوجب قانون العمل أن يحصل العامل على راتبه كاملا ما دام غيابه بسبب عطلة رسمية أقرتها الحكومة، حيث تعتبر فترة الحظر شكلا من أشكال العطل الرسمية كونها عطلة طارئة قررتها الحكومة”.
وفيما يتعلق بالحفاظ على الوظائف فقد “حظر أمر الدفاع إنهاء خدمات أي عامل لأي سبب من الأسباب إلا في حالات محدودة، وهي بلوغ سن تقاعد الشيخوخة حسب قانون الضمان الاجتماعي، أو إذا ارتكب إحدى المخالفات المنصوص عليها في المادة 28 من قانون العمل، وذلك تحت طائلة العقوبة بالحبس أو الغرامة التي فرضها أمر الدفاع على صاحب العمل الذي يخالف أحكامه”.
كما أجاز أمر الدفاع لصاحب العمل الذي لا يستطيع الاستمرار بالعمل أن يطلب من وزارة العمل الموافقة على وقف مؤسسته بشكل كامل وتعليق عقود العاملين لديه، على أن يقدم ما يثبت مبررات ذلك، وفي حال الموافقة يحظر على المؤسسة ممارسة أي نشاط من أي نوع، وعلى أن يعود العمال إلى عملهم في حال عودة العمل إلى طبيعته.
ورأى التقرير ان “هذه الأحكام تشكل تعطيلا لعدد من النصوص ذات العلاقة في قانون العمل، وبشكل خاص المادة 31 منه التي أوجبت على صاحب العمل الذي يعاني من ظروف اقتصادية أو فنية تضطره لإنهاء خدمات بعض العاملين لديه أو كلهم أو تعليق عقودهم مؤقتا، أن يقدم طلبا بذلك إلى لجنة مشكلة من ممثلين عن أطراف العمل (الحكومة وأصحاب العمل والعمال) ويكون قرار وزير العمل بالرفض أو الموافقة المستند إلى توصية اللجنة قابلا للطعن أمام محكمة الاستئناف”.
مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة قال، “لقد بدأت الحكومة باستخدام وصف “القطاعات الأكثر تضررا” في البلاغ رقم 7 بعد أن سمحت في 6 أيار (مايو) الماضي لمعظم القطاعات بالعودة إلى العمل بكامل طاقتها وبكامل موظفيها، وبموجبه أصبحت صلاحية صاحب العمل بتخفيض الأجر 30 % بالاتفاق مع العامل الذي يؤدي عمله كالمعتاد “محصورة فقط في القطاعات الأكثر تضررا، ثم أصبحت نسبة التخفيض 20 % في البلاغ رقم 8 اعتبارا من تموز (يوليو)” الماضي.
وأضاف كما أصبحت نسبة التخفيض من أجر العامل الذي يوقفه صاحب العمل عن العمل 60 % في القطاعات المصنفة أكثر تضررا و50 % في القطاعات الأخرى، وفي البلاغ رقم 8 أصبح هذا التخفيض محصورا فقط في القطاعات المصنفة الأكثر تضررا، إلا أن “الحكومة وفي توجه غريب وغير مبرر عادت عن ذلك في البلاغ رقم 13 الذي صدر مؤخرا، وسمحت بتخفيض أجور غير المكلفين بعمل في القطاعات غير المصنفة الأكثر تضررا بنسبة 30 % اعتبارا من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، أي أنها سمحت لصاحب العمل بوقف أي عامل لديه في أي قطاع وتخفيض أجره دون أي أسباب سواء اقتصادية أو فنية أو غير ذلك ودون شرط الحصول على موافقة أي جهة رسمية”.
وتابع أبو نجمة “من الواضح أن هذه الحلول بمجموعها تضمن للحكومة عدم تحمل أي مسؤولية مالية مباشرة تجاه كل من صاحب العمل والعامل، فتركت الطرفان يتقاسمان المسؤولية بصورة تعتقد أنها عادلة لكليهما، أي أن الحكومة تعتبر أن هذه الأحكام منصفة للعامل كونها تحميه من الفصل، ولصاحب العمل كونها تعفيه من نصف أجور العامل الموقوف عن العمل، إلا أنها في الحقيقة وضعت الطرفين في موقف صعب للغاية، فصاحب العمل يشعر أنه ملزم بدفع نصف أجر للعامل الذي لا يؤدي له أي عمل، والعامل يشعر أنه فقد نصف دخله دون مبرر رغم أنه مستعد للعمل”.
وأوضح انه بحسب قانون العمل فإن “العامل الذي لا يكلف بالعمل رغم استعداده له وتكريس نفسه لأدائه يستحق أجره كاملا، وحسب قانون الضمان الإجتماعي فإن العامل الذي تنتهي خدماته لأي سبب يتقاضى راتب تعطل لمدة تصل إلى ستة أشهر، إلا أن أمر الدفاع والبلاغات الصادرة بموجبه لم تأخذ لا بقانون العمل ولا بقانون الضمان الاجتماعي، ولم تعامل العامل على أنه على رأس عمله، ولم تعامله على أن خدمته قد انتهت، فحرمته من تقاضي كامل أجره بصفته مستعدا للعمل، وحرمته من تقاضي راتب التعطل بصفته متعطلا عن العمل”.
وأضاف أبو نجمة أن “هناك لبسا لدى الحكومة في التعامل مع الهدف والغاية من تصنيف القطاعات الأكثر تضررا، وتحديد مفهوم القطاع الأكثر تضررا ومعايير اختياره، رغم الآثار الخطيرة المترتبة على ذلك والتي مست بأجور عشرات الآلاف من العاملين وربما أكثر واستقرارهم الوظيفي دون مبرر، الأمر الذي سيؤدي إلى اتساع شريحة الفقراء، وسيؤثر سلبا على النشاط الاقتصادي بشكل عام، في وقت نحن بأمس الحاجة في هذه المرحلة إلى تنشيط الاقتصاد من خلال زيادة القدرة الشرائية للمواطن بزيادة دخله وتمكينه من تأمين احتياجاته”.
إلى ذلك، أكد التقرير أنه كان الأجدى أن تعمل الحكومة على دعم الأجور خلال فترات التوقف القسري عن العمل نتيجة الجائحة، إما مباشرة من خلال صناديق تنشئها لهذه الغاية كما فعلت بعض الدول، أو من خلال تولي صندوق التعطل في الضمان الاجتماعي دفع راتب تعطل للعاملين المتوقفين عن العمل باعتبارهم متعطلين مؤقتا.
ومن ايجابيات ذلك لو تم، كما أضاف التقرير، “لا يتحمل صاحب العمل أي أعباء، ويحتفظ العمال بوظائفهم، ويحصلون على دخل كاف، الأمر الذي يتطلب توفير موارد خاصة لذلك بعد أن تم استنفاد جزء كبير من مدخرات صندوق التعطل نتيجة السحب منه للتعليم والعلاج عملا بالتعديل الجائر الذي تم على قانون الضمان الاجتماعي العام الماضي وبصورة تتنافى مع هدف وجود الصندوق، الأمر الذي تسبب بإرهاقه وعدم تمكنه من الوفاء بالتزاماته تجاه المدخرين، ودفع الحكومة إلى تجنب تفعيل القانون والصرف منه على المتوقفين عن العمل رغم أنهم كانوا ادخروا فيه للاستفادة منه في مثل هذه الظروف”.
وشدد على أن الحلول التي اعتمدتها الحكومة “عمقت من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وتسببت بتوسع رقعة الفقر بصورة غير مسبوقة نتيجة فقدان الوظائف ونقص الدخل، وأضعفت بشكل كبير القدرة الشرائية للمواطنين ما أثر سلبا على انتاجية المؤسسات وحركة السوق، وتسبب في تفاقم مشكلة الركود الاقتصادي”.
وأكد أنه “كان الأولى في مثل هذه الظروف أن تعمل الحكومة على ضخ أموال أكثر من خلال دعم الأجور ودعم المؤسسات خاصة الصغيرة والمتوسطة، وبما يساهم في تحريك عجلة السوق وإنعاش الاقتصاد”.
وأضاف، إن الحكومة “لم تحدد في أمر الدفاع رقم 6 والبلاغات الصادرة بموجبه الأسس والمعايير التي يتوجب اعتمادها في اختيار هذه القطاعات وتركت الأمر لتقدير وزيري العمل والصناعة والتجارة”، مشيرا الى أنه “لغاية الآن صدرت خمس قوائم منذ أيار (مايو) تفاوتت فيها التقديرات من قائمة لأخرى بصورة غير منطقية، ومن المؤكد أن الحكومة خضعت في هذه التقديرات لضغوطات القطاع الخاص ما أدى إلى إضافة العديد من القطاعات غير المتضررة، بل أن بعضها انتعش خلال الجائحة”.
وقال التقرير ان قائمة القطاعات الأكثر تضررا يفترض أن “تشمل فقط القطاعات التي أصابها الضرر الجسيم وتوقفت أعمالها بشكل شبه كامل، كبعض الأعمال في القطاع السياحي وقطاع النقل ومنشآت تنظيم الحفلات والمؤتمرات ومنشآت صالات الأفراح، إلا أن كثيرا من القطاعات التي أضيفت إلى القائمة لا ينطبق عليها هذا الوصف، خاصة وأنها عادت إلى ممارسة أعمالها منذ شهور، ومنها من لم تتوقف أعماله في أي وقت بسبب طبيعتها المتصلة بالحاجة اليومية للمواطن كالمخابز والبقالات والأسواق التموينية، والتي لا يمكن فهم أسباب إضافتها إلى القطاعات الأكثر تضررا”.