أ. ناجي صفا
في حزيران العام ٢٠٠٤ قرر الاميركي والفرنسي قلب المعادلة في لبنان والمنطقة بعد فشل مهمة كولن باول في ترهيب الرئيس الأسد واخضاعه ، ذهبوا الى مجلس الامن واستصدروا القرار ١٥٥٩ الذي يخدم اجندتهم ، تريث الرئيس الحريري الأب وارتاب من حجم المخطط، قرروا ازاحته بالإغتيال واستثمار ذلك لتدعيم المخطط ، اخرجت سوريا من لبنان ، ورفعت صور المتهمين قبل توفر الدليل ، وابرموا اتفاق الحلف الرباعي مع حزب الله لهدفين :
الاول : عدم الإصطدام به ومحاولة تحييده لاكمال المعركة بوجه سوريا .
الثاني : الحصول بواسطته على الأغلبية النيابية التي تمكنهم من التحكم بالقرار السياسي .
لم يدم الأمر طويلا ، سرعان ما اكتشف حزب الله انهم يحفرون بخبث وبتخطيط اميركي ، انسحب من الحكومة نتيجة تحكم الأكثرية التي ساهم في انتاجها بالقرار ، اصدرت الولايات المتحدة بعد ذلك امرها لإسرائيل للقيام بحرب العام ٢٠٠٦ لازالة حزب الله من الوجود والتفرغ لسوريا ، لم تأت النتائج كما توقعوا، هزمت اسرائيل ، لكن المخطط لم يتوقق ، جرى بالترافق مع ذلك تعيين ديتلف ميلس محققا في جريمة اغتيال الحريري ، عطل ديتلف ميلس القضاء والسلطات الامنية والعسكرية وتفرد بإصدار مذكرات التوقيف وسوق الإتهامات ، وضع الضباط الاربعة في السجن لأخذ التحقيق بالإتجاه الذي يخدم الاجندة الاميركية ، احرجت المحكمة الدولية جراء انكشاف عمليات التزوير وتبين براءتهم فاخرجوا من السجن .
لم تفلح المحكمة الدولية التي شكلت في اتمام المخطط بسبب اختلالات منهجية استقصائية جرى اللجوء اليها وبخاصة شهود الزور الذين ضربوا صدقية المحكمة .
توالت المحاولات فكان الربيع العربي الذي فشل بدوره في قلب المعادلات لا سيما في سوريا التي صمدت وقاتلت وانتصرت ، لكنها انهكت وحوصرت ، ازداد الحقد على حزب الله الذي كانت له مساهمة قيمة في الإنتصار السوري ، وحيث ان سوريا محاصرة ومنهكة وربما هي عاجزة سواء عن التأثير في المحيط او رفد حزب الله فلا بد من اعادة البوصلة لإستهداف حزب الله وانهاكه .
جرى اختراع الاسباب لتفجير انتفاضة ١٧ تشرين ، التي انخرط بها جموع كبيرة من اللبنانية ، بعضهم بحسن نية بسبب الواقع المزري ، والبعض الآخر في سياق مخطط الإستدراج والأستهداف لحزب الله الذي تنبه للمخطط وخرج من الساحة رافضا الإنجرار .
سرعان ما بدأ المخطط بالإنكشاف مع الشعارات التي بدأت ترفع في الساحات حول السلاح والقرار ١٥٥٩ وتعليق المشانق وسواها من الشعارات التي رفعت ، ومرة اخرى تجاوز حزب الله القطوع ولم يستدرج لحرب اهلية جرى التخطيط لها ، مياه كثيرة جرت وحزب الله يراقب ولا يتورط بالصراع رغم محاولات تأليب بيئته عليه واستهدافها مع بقية اللبنانيين بقصد تحميل مسؤولية الازمة لحزب الله ، ومرة اخرى فشلت المحاولة رغم قساوتها المعيشية على المواطن ، فكان لا بد من رفيق حريري ج
ديد يجري تفجيره وتحميل المسؤولية لحزب الله ، فكان انفجار المرفأ . .
بدأت محاولات الاستثمار السياسي لجريمة المرفأ من اللحظة الاولى ، اصوات ترتفع بالمطالبة بتحقيق دولي على النسق الذي شاهدناه في قضية اغتيال الحريري ، انهم يبحثون عن ديتلف ميليس جديد ، وحيث ان المعادلات لا تسمح بذلك فقد تم استحضار ديتلف ميلس لبناني اسمه طارق البيطار .
حاول ديتلف ميلس اللبناني انتهاج سلوك ديتلف ميلس الألماني لجهة الإستنسابية في التحقيق ، فإذا كان ديتلف ميلس الالماني اختار الضباط الاربعة ووضعهم في السجن لحرف التحقيق ، فان ديتلف ميلس اللبناني سار على نفس المسار بمحاولة وضع ضباط اربعة لكنهم من غير نجوم في السجن هم علي حسن خليل ، وغازي زعيتر ، ويوسف فنيانوس ، وحسان ديان ، متجنبا مقاربة البعد المنطقي في التحقيق في تركيز البحث اولا حول من اتى بالمواد ، ومن اوصل السفينة الى لبنان ، وضمن اية اهداف ووظيفة ، وحصر تحقيقاته بالمقصرين الإداريين لتوجيه الاستهداف باتجاهات يبدو انه متفق عليها سلفا ، تجاهل التركيز على عملية التفجير ، كيف جرت ، وهل من تدخل خارجي او نتيجة اهمال، واستطرادا تحديد اسباب وشكل والعناصر التي ادت الى التفجير .
الإستنسابية المفرطة التي اعتمدها القاضي بيطار تشير بوصلتها نحو توجيه الإتهام نحو حزب الله لمحاولة تلبيسه الجريمة ، تأتي بالتماهى مع المخطط الاميركي الذي عمل عليه منذ جريمة اغتيال الرئيسالحريري ، تشويه سمعة حزب الله، ليجري مجددا صرف ذلك في الإنتخابات النيابية القادمة، وتقريشه اكثرية نيابية جديدة خرجت من يدها في انتخابات العام ٢٠١٨ ، تلك الاكثرية تضمن للولايات المتحدة عملية ترسيم الحدود لصالح العدو الصهيوني ، والتحكم بقرارات الحكومة القادمة ، وانتخابات رئاسة الجمهورية ، ووصولا الى عمليات التطبيع انسجاما مع الواقع السائد في المنطقة ، والتحكم بعملية استخراج الغاز والنفط وفقا للمصالح الإسرائيلية – الاميركية ، وربما ضم لبنان لاحقا الى مشروع انبوب شرق البحر الابيض المتوسط بقيادة اسرائيل .
استعجل ديتلف ميلس اللبناني في حرق اوراقه ، ربما كان ينقصه بعض الحرفية اكثر لتمرير مخططه ، لذا اضطرت الإدارة الاميركية للتدخل مرتين لتغطيته ، الاولى عندما اصدر الكونغرس بيانا يشيد فيه بكفاءة ومهنية ومناقبية المحقق طارق البيطار ، والثاني عندما استنكرت ما اسمته الضغط والترهيب الذي يمارسه حزب الله على المحقق بيطار وذلك ردا على خطاب سماحة السيد نصرالله .
الآن الامور على المحك بعد تقديم اكثر من اعتراض ورد للقاضي بيطار ومحاولة كف يده عن الملف بسبب الريبة ، فكما قال سماحة السيد ، اما ان ينبري مجلس القضاء الاعلى لمعالجة الموضوع ، واما ان يلجأ مجلس الوزراء لذلك.
بالامس كان النقاش صريحا وحادا في جلسة مجلس الوزراء حول تصرف المحقق بيطار ، استدعى ذلك تأجيل الجلسة الى اليوم لحسم الموضوع ، سيضع ذلك الحكومة على كف عفريت ، اما المعالجة الموضوعية واما انهيار الحكومة والعودة الى الفراغ .
كانت وناشط سياسي لبناني
Source: Raialyoum.com