إنجي عمر* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 19/2/2020
طوال فترة نشأتي، صادفتُ الكثير من النساء اللواتي يعانين من تبعات الصدمات الحادة التي تعرضن لها جراء عقوبات أنزلها بهن مجتمعهن. وتتراوح التحديات التي تواجهها هؤلاء النساء بين ما يسمّى بـ”جرائم الشرف”، وصولا إلى تشويه أعضائهن التناسلية، وهي تحديات تكون في أغلب الأحيان خلاصة الموقف العام لمجتمع يعتبر جسد المرأة خطيئة بطبيعته.
كان قمع الأقليات العرقية والإثنية أيضاً جزءاً من مخطط الحفاظ على منظومة النظام الأبوي والرفض الأوسع للتنوع والشمولية. وكان يُنظر إلى كل الذين حاولوا اختيار حياة جديدة خارج القاعدة المجتمعية على أنهم مصدر تهديد. وقد أسهمت تلك النظرة في خنق القدرات الإبداعية والإنتاجية للمرأة في المنطقة بأكملها.
أما الجديد نوعا ما، فهو أن بعض النساء اللواتي اختبرن هذه الصدمات، ولا سيّما من ترعرعن في بيئات متطرّفة، رأين في الالتحاق بالمجموعات الإرهابية وسيلةً لاستعادة القدرات التي حَرمهنّ المجتمع منها؛ حيث يضطر بعضهن للاستجابة للتقاليد وللضغوط الاجتماعية التي تقمع حقوقهن، فيجنحن في النهاية إلى اعتناق الأفكار المتطرّفة التي تعتبر التضحية بالذات شيئا مقدّسا، وذلك من خلال اللجوء إلى الأداء الأكثر تطرفا لتلك “القيم”. وتتمثل التربة الخصبة التي تنمو فيها هذه الأفكار المتطرفة لدى بعض النساء في عدم توفر طرق بديلة لديهن للتعبير عن غضبهن الذي يتحول إلى كراهية دفينة.
في مقابلة مع هذه الكاتبة، أكد الصحفي بيتر بيرغن، الرائد في مجال الكتابة عن الإرهاب، أن “أهم ابتكار لتنظيم ‘داعش’ كان تجنيد النساء… ولذلك، قد يكون جيل كامل من الإرهابيين قيد الإعداد” بفضل هذا الاهتمام الجديد بتجنيد النساء. وبالمثل، لاحظ جيسون بيرك من صحيفة “الغارديان” هذه الاستراتيجية الجديدة في العام 2016: “في السابق، كان دور الإناث في تنظيم ’داعش‘ ينحصر في الدعم، بعيدا عن ساحة المعركة. لكن هذا النهج يبدو أنه تغيّر خلال الصيف، مع ازدياد الضغط العسكري على معاقله الرئيسية في العراق وسورية وليبيا، وخسارته مساحات واسعة من الأراضي”. وهذا ما يصفه الباحثون في مجال الإرهاب بالنقلة النوعية في الاستراتيجيات الإرهابية. ومن الواضح أن “داعش” لعب على وتر الإحباط العميق السائد في الأوساط النسائية في هذه المجتمعات، وتعلم كيفية استغلال هذا الإحباط لخدمة أهدافه.
يقول نورمان رول، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية في قسم الإشراف على سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، في مقابلة مع هذه الكاتبة: “الإحساس بالقمع عامل حاسم في التطرف… وقد يكون هذا القمع مجرد قرار صادر عن فرد أو أسرة، أو متعلّقاً بمجال واحد من مجالات السياسة، لكنه عاملٌ أساسيٌّ في نشوء التطرف، فما قد يبدو أنه قمعٌ لشخص ما، قد يعتبره آخرون قاعدة اجتماعية”.
أما بالنسبة لعدد كبير من النساء، فإن التعرض الأكثر شيوعا للقمع ينبع من داخل الوسط الاجتماعي الخاص بهن. بمعنى آخر، أحد الأسباب الرئيسية التي تختار بسببها النساء الانخراط في الإرهاب هو البحث عن الإحساس بالسلطة والقوة، والذي لم يتوفر لهن مطلقا في مجتمعاتهن، من خلال الميل نحو اعتناق أيديولوجية متطرّفة وقبول الأدوار القيادية الجديدة المتاحة لهن داخل تلك البنية -حتى وأن عاملتهن هذه المنظمات على أنهن مواطنون من الدرجة الثانية، وحيث قد يصل الأمر إلى درجة الاتجار بهن جنسيا لكسب المال.
يبدأ الأصوليون بتجنيد النساء اللواتي يخترن لعب دور حاسم في تلقين وتوجيه أسرهن والمساهمة في الأعمال الإرهابية لأنهم يعرفون أن بالإمكان استغلال نفوذ النساء في تجنيد نساء أخريات أو خداعهن حتى يقعن ضحايا لجماعات مثل بوكو حرام، و”داعش”، وتنظيم القاعدة، وحركة الشباب، أو أي حركة إرهابية أخرى.
إذا أمكننا التسليم بأن الشرق الأوسط هو منطقة تعاني من مشاكل دينية وطائفية لا تحصى، فما الذي يدفع النساء الغربيات إلى التكيف مع الأيديولوجيات المتطرفة والانضمام إلى الجماعات الإرهابية؟ حين قابل بيرغن النساء الأميركيات اللواتي حاولن الانضمام إلى تنظيم “داعش”، على سبيل المثال، زعَمْنَ له أنهنَّ منجذبات إلى خطة الجماعة الإرهابية “لإنشاء مجتمع إسلامي متكامل؛ أي نظام الخلافة، وهو مجتمع رأينه وكأنه الجنة على الأرض”. وتقودنا هذه الحقيقة إلى استنتاج أن النساء الشرقيات والغربيات يقعن ضحايا الإخضاع والقهر من قبل هذه الجماعات، وضحايا للمفهوم الأوسع لمعضلة الإرهاب. وبالنظر إلى هذه العوامل التي أدت إلى إشراك النساء في الجماعات الإرهابية، فقد حان الوقت لتركيز الجهود على معالجة قضية الإرهاب النسائي.
أكدت جاميل بيجيو وريتشيل فوغلشتاين في مقالة لهما تحت عنوان: “لماذا الفهم الحيوي لدور المرأة في الإرهاب؟” ضرورة الاعتراف بالأدوار التي تضطلع بها المرأة في المنظمات الإرهابية. “فبعد ثمانية عشر عاما من الهجمات الإرهابية المدمّرة التي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر)… أنفقت الولايات المتحدة ما يقرب من 6 تريليونات دولار لمكافحة الإرهاب، لكن عدد المقاتلين الإسلاميين المتطرفين في العام الماضي كان أعلى بنسبة 270 في المائة مما كان عليه في العام 2001. وقد بدأ العديد من الباحثين، من أمثال جوان كوك في كتابها المعنون “مكانة المرأة: مكافحة الإرهاب الأميركي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر”، في الانضمام الى النقاش الدائر حول الأبعاد الجنسانية للإرهاب، فضلاً عن العوامل المجتمعية التي تؤثر على النساء وتدفعهن إلى التطرف.
يمثل الإرهاب النسوي جانبا واحدا من جوانب أزمة الإرهاب المتأصّلة في الشرق الأوسط، التي تعيد تشكيل نفسها بطرقٍ أكثر عدوانيّة، سواء في العراق أو اليمن أو إيران أو المملكة العربية السعودية أو مصر أو أي بلد آخر من بلدان هذه المنطقة. ومع ذلك، من الأهمية بمكان تأكيد محاربة الأيديولوجيات التي تُحقر وتدنس جسد المرأة وعقلها.
*كاتبة ومنتجة أفلام وثائقية. بدأت الكتابة والإنتاج بعد حصولها على درجة الماجستير في علوم التواصل، الإنتاج، وصناعة الفيلم من الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن. تعمل حاليا صحفية في مكتب “فرانس 24” في واشنطن بالإضافة إلى عملها المستقل في الإنتاج الإعلامي.
