
نادين النمري
عمان – تصف أم نجم الدين حال ابنها بعد ان عصفت جائحة كورونا بأحوال عائلتها، بالقول “قلبي محروق عليه. وقف الدراسة وصار ينزل مع أبوه عالشغل يوم بجيب دينارين ويوم ثلاثة”. فنجم الدين البالغ من العمر 12 عاما وهو بكر عائلته بين أشقائه الستة. انقطع عن التعليم في آذار (مارس) الماضي مع فرض الحظر الشامل والتعلم عن بعد، كما تقول والدته.
وتضيف والدة نجم الدين، “زوجي عامل مياومة بشتغل في البناء والانشاءات. خلال الحظر توقف دخلنا تماما باستثناء كوبونات من مفوضية للاجئين بقيمة 120 دينارا. كانت أياما صعبة أبسط متطلبات العيلة ما كنا نقدر نحصلها”.
ومن اجل هذا لم يتمكن نجم الدين من مواصلة تعليمه على منصة “درسك”، فرغم أنها منصة مجانية لكنها تتطلب رصيد إنترنت، وفي ظل تدهور وضع أسرته المادي نتيجة توقف عمل الأب أصبح توفير الإنترنت أمرا مستحيلا.
بعد فك الحظر التحق نجم الدين بسوق العمل مع والده في أعمال البناء، وفقا للأم التي بينت أنها “تواصلت مع معلمه قبل شهر لتسجيله في منصة درسك”، مشيرة الى أن “ابني ذكي وبزعل عليه كثير. قبل شهر سجلنا رقمه في المنصة، بس حضوره مش منتظم. اذا في رصيد على تلفوني هيو حضر واذا ما في بتروح عليه الدروس”.
تعكس حالة نجم الدين واقع كثير من الأطفال ينتمون للفئات الأكثر ضعفا وهشاشة من اللاجئين والأردنيين وتحولوا من مقاعد الدراسة الى سوق العمل نتيجة أزمة كوفيد 19، بحسب ما رصدت واقعهم مؤسسة “أنا أتعلم”.
مدير البرامج في المؤسسة صدام سيالة يبين أنه “منذ بدء الجائحة عملت المؤسسة بكل طاقتها ومتطوعيها لتعزيز التعاون مع الحكومة ومختلف الشركاء لايصال خدمات التعليم لهذه الفئات”، لافتا الى أن المؤسسة تعمل في 7 مناطق مختلفة في الأردن.
ويضيف، “نرى أن ناقوس الخطر يلوح بالأفق حيث ان الكثير من الأطفال فقدوا التفاعل مع المنصات التعليمية وبسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نرى بشكل يومي ان الأهالي يقومون باتخاذ قرارات صعبة مثل إرسال أطفالهم للعمل في الأماكن الخطرة مثل اكشاك القهوة والكراجات بشكل متقطع أو يومي، فيما تتراجع الصحة النفسية لهؤلاء الأطفال وذويهم بشكل واضح”.
وتوقع سيالة “اتساع الهوة في التعليم”، مشددا على ضرورة تكاتف الجهود لجسرها “عبر التركيز بشكل أكبر على الفتيان واليافعين الذين يتسربون الى سوق العمل”، مشيرا الى أن “بيانات المؤسسة تدل على نسب عالية من الفتيان أصبحوا الآن عاملين”.
ولفت الى حملة المؤسسة “درسي بإيدك” والتي تقوم على تزويد العائلات المتضررة بالأجهزة الإلكترونية (اللوح الذكي واللابتوب) لتمكين أطفالهم من استكمال ومتابعة دروسهم عن بعد، واستطعنا “ايصال المئات من الأطفال لمحتوى المؤسسة والوصول الى المنصات التابعة لوزارة التربية”.
من جانبه حذر مدير مركز الفنيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض من أن أعداد الأطفال العاملين ازدادت خلال العام الحالي جراء أزمة كورونا المستجد، مشيرا إلى أن “العوامل الأساسية التي تزيد عمالة الأطفال تفاقمت بشكل كبير خلال الأشهر الثلاثة الماضية”.
وقال، إن اتساع رقعة الفقر والبطالة والاستمرار في تطبيق سياسة التعليم عن بعد “أدى لزيادة عمل الأطفال في الأردن”، داعيا إلى “إعادة النظر بمختلف السياسات الاقتصادية والتعليمية التي يتم تطبيقها في الأردن خلال جائحة كورونا”.
وأوضح أن “عدد الأطفال المنخرطين في سوق العمل في ازدياد ملحوظ وأغلبهم ينتمون إلى أسر فقيرة تدفعهم الحاجة”.
وبين أن سياسة التعليم عن بعد كمحاولة للحد من انتشار فيروس كورونا، “سهلت على الأسر الفقيرة سحب أطفالهم من المنظومة التعليمية بهدف المساهمة في توفير مداخيل إضافية تساعد هذه الأسر على تلبية حاجاتها الأساسية، إذ تشير مختلف المعطيات إلى أن عمل الأطفال سيزداد بشكل ملموس جراء تداعيات كورونا الاقتصادية والاجتماعية”.
وطالب بـ “تطوير العملية التربوية والتعليمية خلال المرحلة الأساسية للحدّ من عمليات تسرب الأطفال من مدارسهم، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة للأطفال، ودراسة تبعات نظام التعليم عن بعد، والتأكد من توفر وسائل هذا التعليم لجميع طلبة المملكة وبشكلٍ عادل”.
ولفت عوض الى أن “التشريعات الوطنية في مكافحة عمالة الأطفال لم تحل دون زيادتها خلال السنوات الماضية، لأن الواقع وديناميته أقوى من التشريعات”، مشددا في هذا السياق على ضرورة اتخاذ “إجراءات على ارض الواقع للوصول الى فئات الاطفال المتسربين والمهددين بالتسرب من التعليم لضمان إعادة انتظامهم بالعملية التعليمية وسحبهم من سوق العمل فضلا عن توفير الدعم للأسر الهشة التي تأثرت بشكل أكبر اقتصاديا خلال الجائحة”.
وفي وقت يرجح ان تكون أعداد الأطفال العاملين ازدادت بشكل ملحوظ كأحد التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيد 19، بين مسح قامت به جمعية تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان أن “عمالة الأطفال تتركز في المطاعم، ومحلات بيع القهوة، الملابس، الانشاءات، الحدادة، الميكانيك، النجارة، التحميل والتنزيل، وغالبيتهم لا يتقاضون أجراً عادلا، ويتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 220 دينارا شهريا للأردنيين و150 دينارا لغير الأردنيين، إضافة إلى تشغيلهم لساعات طويلة دون تعويضهم عن ذلك”.
من جانبها قالت المديرة التنفيذية للجمعية لندا كلش، إن جميع الجهود التي بذلت على مدار أعوام لمكافحة عمل الأطفال “ضاعت سدى خلال جائحة كورونا، فنحن اليوم ومن خلال عملنا الميداني نرصد ارتفاعات غير مسبوقة في أعداد الأطفال العاملين”.
وبينت أن أحد أبرز أسباب زيادة أعداد الأطفال العاملين هو “تدهور الأوضاع الاقتصادية للأسر وفقدان المعيل لعمله خاصة عمال المياومة”، لافتة الى أن “برامج الحماية لم تغط كل العاملين إضافة إلى أن التمويل الإنساني انخفض بدرجة كبيرة، وهذا كله ادى لتسرب الأطفال من التعليم والانخراط بسوق العمل”.
وإضافة الى هذا، تشير كلش الى أن “التعليم عن بعد ساهم بشكل كبير في زيادة تسرب الأطفال وبشكل خاص بين الأسر السورية”.
وكان مسح لـ “تمكين” بين في نتائجه أن الأطفال العاملين “ينتمون إلى الفئات الأكثر تضررًا في المجتمع، حيث يدفعهم الفقر المدقع إلى سوق العمل لزياة دخل أسرهم، أو لأن الأطفال هم المعيلون الوحيدون لأسرهم”.