
جدات البحر: غواصات الهاينيو يتفوقن فسيولوجياً على الثدييات المائية
في جزيرة جيجو الكورية، تقضي نساء الهاينيو وقتاً تحت الماء يفوق أي بشر تمت دراستهم، منافسات بذلك بعض الثدييات البحرية. اكتشف العلماء أن هؤلاء الغواصات، اللواتي يبلغ متوسط أعمارهن 70 عاماً، يمتلكن تكيفات فسيولوجية وجينية نادرة.
Share your love
هل يمكن لجدة في السبعين من عمرها أن تنافس الدببة القطبية وثعالب الماء في قدرتها على البقاء تحت سطح البحر؟ في جزيرة جيجو الكورية الجنوبية، هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو واقع يومي تعيشه نساء “الهاينيو” (Haenyeo). هؤلاء الغواصات التقليديات يكسرن كل القواعد المعروفة عن الفسيولوجيا البشرية، حيث يقضين وقتاً تحت الماء يفوق أي مجموعة بشرية تمت دراستها على الإطلاق، ليصبحن بذلك أقرب الكائنات البشرية إلى الثدييات البحرية.
أساطير حية في بحر الصين الشرقي
تمارس هؤلاء النسوة الغوص الحر في مياه بحر الصين الشرقي الباردة لحصاد قنافذ البحر والمحار، في تقليد يعود تاريخه إلى نحو 3000 عام. وفي دراسة حديثة نُشرت في دورية Current Biology، سلط الباحثون الضوء على القدرات الاستثنائية لغواصات الهاينيو، اللواتي يقضين ما بين ساعتين إلى عشر ساعات يومياً في المياه.
يشير كريس ماكنايت، عالم أحياء الثدييات البحرية في جامعة سانت أندروز باسكوتلندا، إلى أن دراسة هؤلاء النساء هي “أقرب ما يمكننا الوصول إليه لدراسة حوريات البحر”. وقد عمل ماكنايت وفريقه مع سبع غواصات من الهاينيو، حيث تم تزويدهن بأجهزة قياس متطورة خلال 1786 غطسة، لرصد المدة التي يقضينها تحت الماء، والعمق، ومستويات الأكسجين في الدماغ والعضلات.
فسيولوجيا تتحدى المألوف
أظهرت البيانات أن هؤلاء الغواصات يقضين في المتوسط 56 بالمائة من وقت عملهن مغمورات تحت السطح. هذه النسبة المذهلة تضعهن في مصاف الثدييات المائية المتخصصة، متفوقات بذلك على القنادس والدببة القطبية وثعالب البحر في نسبة الوقت المقضي تحت الماء.
كان الفريق البحثي يتوقع رصد استجابات فسيولوجية كلاسيكية للغوص، مثل انخفاض معدل ضربات القلب وانخفاض مستويات الأكسجين، وهي الآلية المعروفة باسم “منعكس الغوص” لدى الثدييات. لكن المفاجأة كانت معاكسة تماماً؛ فقد سجلت الغواصات معدلات ضربات قلب مرتفعة، مع انخفاض طفيف جداً في أكسجين الدماغ أو العضلات.
يُعزى هذا النمط الفسيولوجي الفريد إلى طبيعة غوصات الهاينيو؛ فهي غطسات متكررة ولكنها ضحلة، تتراوح أعماقها بين متر وخمسة أمتار (3 إلى 15 قدماً)، وتستغرق الغطسة الواحدة في المتوسط 11 ثانية فقط، تليها فترة استراحة قصيرة جداً على السطح لا تتجاوز 9 ثوانٍ. هذا النمط السريع والمتكرر يسمح لهن بالحفاظ على نشاط حيوي مرتفع دون استنزاف مخزون الأكسجين.
الشيخوخة الصحية والتكيف الجيني
ما يضيف بعداً آخر للإعجاز في هذه القصة هو العامل العمري؛ إذ يبلغ متوسط عمر الغواصات المشاركات في الدراسة 70 عاماً. وترى ميليسا إيلاردو، عالمة الوراثة التطورية في جامعة يوتا والمشاركة في الدراسة، أن هذا يعكس “معدل صحة مذهل” (Health Span)، مما يفتح الباب لفهم أعمق لكيفية الحفاظ على حيوية الجسم في مراحل الشيخوخة المتقدمة ضمن هذه المجتمعات.
وفي سياق متصل، قادت إيلاردو دراسة مخبرية سابقة نُشرت في دورية Cell Reports، قارنت فيها نساء الهاينيو بنساء كوريات غير غواصات. وكشفت النتائج عن وجود اختلافات جينية لدى غواصات جزيرة جيجو ترتبط بضغط الدم والقدرة على تحمل البرودة، مما يشير إلى أن التطور البيولوجي قد لعب دوراً في صقل مهاراتهن عبر الأجيال.
نافذة لفهم تطور الحيتان
تتجاوز أهمية هذه النتائج حدود الفضول البشري لتصل إلى فهم تطور الحياة على الأرض. يعتقد العلماء أن دراسة التكيفات الفسيولوجية لنساء الهاينيو قد تقدم خيوطاً لفهم كيفية انتقال أسلاف الحيتان والثدييات البحرية الأخرى من الحياة البرية إلى البيئة المائية بنجاح.
ويشبه تيد تشيزمان، عالم الأحياء البحرية ورئيس قاعدة بيانات “Happywhale”، سلوك البحث عن الطعام لدى الهاينيو بسلوك ثعالب البحر التي تغوص في المياه الضحلة. ويؤكد تشيزمان أن قدرة هؤلاء النسوة على قضاء أكثر من نصف وقتهن تحت الماء هي دليل حي على أن “الثقافة يمكن أن تقود التطور”.
وبينما يواصل هؤلاء الجدات الغوص في الأعماق، يطمح كريس ماكنايت في المستقبل إلى دراسة مستويات ثاني أكسيد الكربون لديهن، حيث يعتقد أن أجسادهن قد تكيفت لتحمل مستويات عالية من هذا الغاز – الذي يسبب عادة الهلع والقلق للبشر العاديين – مما قد يكشف عن سر جديد من أسرار قدرة الإنسان على التكيف مع أقسى الظروف الطبيعية.



