Table of Contents
لعلنا اعتدنا النظر إلى السماء واعتبار الغيوم مجرد تجمعات لبخار الماء المكثف، وأن المطر عملية فيزيائية بحتة تحكمها درجات الحرارة والضغط الجوي. لكن، ماذا لو كان للقصة جانب آخر أكثر غرابة؟ جانب تلعب فيه الكائنات المجهرية الدقيقة دور “مهندس الطقس” الخفي؟ تشير أدلة علمية متزايدة إلى أن قطرات المطر التي تروي الأرض قد تبدأ رحلتها في الأعالي بفضل ذرات من الحياة نفسها؛ بكتيريا، وحبوب لقاح، وأبواغ فطرية تتطاير من الغابات لتعيد تشكيل مناخنا بطرق لم نكن ندرك حجمها من قبل.
حينما تصبح الحياة جزءاً من دورة المطر
في دراسة رائدة نشرت نتائجها مؤخراً في دورية npj Climate and Atmospheric Science، كشف باحثون عن دور محوري تلعبه “الجسيمات الحيوية” (Bioparticles) في تنظيم أنماط هطول الأمطار. هذه الجسيمات العضوية المتطايرة لا تكتفي بالسباحة في الهواء، بل تشكل نسبة كبيرة من الأنوية التي تتجمع حولها بلورات الجليد في السحب، وهي الخطوة الأولى والأساسية لتشكل المطر.
وتعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي توضح بشكل قاطع أن حركة هذه الجسيمات الحيوية تقود تقلبات يومية في تشكل السحب الماطرة. ويقول أثناسيوس نينيس، عالم الغلاف الجوي في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL): “لم يتم تضمين هذا العامل الحيوي في أي من نماذج الطقس السابقة، وهو أمر يجب أن نبدأ في التفكير فيه بجدية”.

سر “نواة الجليد” البيولوجية
لفهم كيفية تأثير هذه الكائنات الدقيقة على الطقس، يجب أن نعود إلى فيزياء الغيوم. تبدأ العديد من قطرات المطر حياتها في الأصل كـ “حبيبة جليدية” داخل السحابة. هذه الحبيبات تذوب لاحقاً أثناء سقوطها نحو الأرض لتصلنا على شكل مطر. ولكن، لكي تتشكل هذه الحبيبة الجليدية في المقام الأول، يحتاج بخار الماء في السحب إلى شيء صلب ليتجمد حوله، وهو ما يعرف علمياً بـ “نواة التكاثف” أو النواة الجليدية.
وهنا تكمن المفاجأة؛ إذ يوضح نينيس أن الجسيمات الحيوية تعتبر “أفضل جسيمات لتكوين الجليد في الغلاف الجوي”. فبينما يحتاج الغبار المعدني إلى درجات حرارة منخفضة جداً لبدء التجميد، تمتلك بعض أنواع البكتيريا والفطريات وحبوب اللقاح جزيئات بروتينية خاصة تعزز نمو الجليد عند درجات حرارة أعلى نسبياً، مما يسرع عملية هطول المطر.
تجربة جبل هيلموس: رصد الأنفاس الحيوية للأرض
لإثبات هذه الفرضية، لم يعتمد الفريق على المحاكاة الحاسوبية فحسب، بل صعدوا إلى قمة جبل هيلموس في اليونان. هناك، وعلى ارتفاع شاهق، استخدم الباحثون أجهزة استشعار متطورة لتتبع الجسيمات صانعة المطر في الغلاف الجوي السفلي خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2021.
اعتمد الفريق على تقنية قياس “تألق” (Fluorescence) البروتينات والأحماض الأمينية الموجودة في المواد البيولوجية، مما سمح لهم بفرز الجسيمات الحيوية وتمييزها بدقة عن جزيئات الغبار والأتربة العادية. وكانت النتائج مذهلة:
- كانت مستويات الجسيمات الحيوية منخفضة أثناء الليل، لكنها كانت ترتفع بمعدل 4 إلى 5 أضعاف بحلول منتصف النهار.
- في ظروف الطقس العادية، شكلت الجسيمات الحيوية معظم، إن لم يكن كل، الجسيمات صانعة المطر التي رصدتها الأجهزة.
- حتى عند هبوب رياح محملة بغبار الصحراء الكبرى فوق الجبل، ظلت الجسيمات الحيوية تشكل ما بين 10 إلى 30 بالمائة من إجمالي الأنوية الجليدية.
وعندما قام الباحثون بدمج هذه البيانات الحقلية في محاكاة للطقس، وجدوا أن مستويات الهطول المطري قد تزيد بمقدار يصل إلى عشرة أضعاف عند أخذ العامل الحيوي في الاعتبار.
تغير المناخ ومستقبل الظواهر المتطرفة
تكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة في ظل أزمة المناخ الحالية. فتحديث نماذج التنبؤ بالطقس أصبح ضرورة ملحة، خاصة وأن الاحترار العالمي يدفع النظم البيئية إلى إطلاق المزيد من هذه الجسيمات الحيوية.
ويحذر نينيس من أن هذا التفاعل المتبادل قد يحمل عواقب غير متوقعة، مشيراً إلى أنه “مع الاحترار في كل مكان حول العالم، قد يؤدي هذا الارتفاع في الجسيمات الحيوية إلى أحداث مناخية أكثر تطرفاً”. فكلما زادت حرارة الأرض، زاد نشاط الغطاء النباتي والبكتيري، مما يعني ضخ المزيد من “بذور المطر” الحية إلى السماء، لندخل في حلقة مفرغة قد تجعل من عواصف المستقبل أكثر شراسة وغزارة مما شهدناه من قبل.