Table of Contents
في الثالثة من فجر يوم الثاني من أكتوبر 2023، قطع رنين الهاتف سكون الليل في منزل كاتالين كاريكو. التقط زوجها السماعة، وبحكم عمله في مجال صيانة المباني، كان معتاداً على مكالمات الطوارئ لإصلاح عطل ما في وقت متأخر. ظنّ أنها مجرد مهمة عمل أخرى، لكنه سرعان ما ناول الهاتف لزوجته قائلاً بذهول: “إنها لكِ”. وبينما كانت لا تزال تغالب النعاس، جاءها صوت من السويد يحمل خبراً غيّر حياتها: لقد فازت عالمة الكيمياء الحيوية بجائزة نوبل في الطب والفسيولوجيا لعملها الرائد على تقنية الرنا المرسال (mRNA)، الاكتشاف الذي مهّد الطريق لتطوير لقاحات كوفيد-19 بسرعة قياسية.
أولمبياد العلوم.. هل كان هذا ما أراده ألفريد؟
بهذا الاتصال، انضمت كاريكو إلى نادٍ حصري للغاية يُعتبر قمة الهرم العلمي عالمياً. لكن خلف بريق الميداليات الذهبية وحفلات العشاء الفاخرة في ستوكهولم، تدور نقاشات هادئة حول ما إذا كانت هذه الجائزة لا تزال تعكس واقع العلم اليوم. الجائزة التي تحمل اسم ألفريد نوبل، الكيميائي السويدي الذي اخترع الديناميت ووهب ثروته لتأسيسها في القرن التاسع عشر، باتت بمثابة “أولمبياد للعلوم”، وهو وصف يرى مارشال ليشتمان، الطبيب بجامعة روتشستر، أن نوبل نفسه ربما لم يكن يقصده.
كان هدف نوبل الأساسي توفير دعم مالي للفائزين يسمح لهم بمواصلة عملهم الاستثنائي دون قلق مادي. ومنذ دورتها الأولى عام 1901، اكتسبت الجائزة شهرة طاغية لأنها كانت مفتوحة للجميع بغض النظر عن جنسياتهم، في وقت ندرت فيه الجوائز العالمية، مما جعلها المعيار الذهبي للتميز العلمي.
شريك في الحياة والمختبر.. خارج دائرة الضوء
رغم نبل الفكرة، إلا أن آليات الجائزة تفرض قيوداً صارمة قد تظلم الكثيرين. العلم الحديث هو عمل جماعي بامتياز، غالباً ما تقوم به فرق ضخمة، لكن قوانين نوبل لا تسمح بتقاسم الجائزة بين أكثر من ثلاثة أشخاص. هذا يعني أن مئات الباحثين الذين ساهموا في اكتشاف كبير قد يظلون في الظل.
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في قصة فيكتور أمبروس، عالم الأحياء التنموي الذي فاز بنوبل الطب لعام 2024 لاكتشافه “الرنا الدقيق” (microRNAs). تشارك أمبروس الجائزة مع زميله السابق غاري روفكون، لكن هناك شخصاً آخر غاب عن التكريم الرسمي: زوجته وشريكته العلمية روزاليند لي. تدير لي مختبر أمبروس وساهمت في العمل بنفس القدر، لكن لأنها لا تدير مختبرها الخاص المستقل، لم تشاركه المنصة.
يقول أمبروس بمرارة واضحة: “إنها شريكة الحياة، وشريكة المنزل، وشريكة المختبر، وشريكتي في العلم. كان سيكون أمراً رائعاً لو تمكنا من تقاسم الجائزة”. هذه القصة ليست فريدة، بل هي نمط متكرر تفرضه قواعد وضعت قبل أكثر من قرن.
جغرافيا الانحياز وحواجز الوصول
عندما ننظر إلى قائمة الفائزين تاريخياً، نجد نمطاً ديموغرافياً واضحاً: الغالبية العظمى هم من الرجال البيض من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. كاريكو نفسها، بفوزها عام 2023، أصبحت واحدة من 13 امرأة فقط حصلن على نوبل في الطب طوال تاريخ الجائزة، والأرقام أقل بكثير في الفيزياء والكيمياء.
تُرجع يولين زيرات، عضو جمعية نوبل في معهد كارولينسكا، هذا التركيز الجغرافي إلى استثمار تلك الدول الطويل والضخم في البنية التحتية للبحث العلمي. لكي يُعتبر العالم جديراً بالجائزة، يجب أن يقدم اكتشافاً كبيراً، وهذا غالباً يتطلب العمل في مختبرات كبرى وجامعات مرموقة، وهي أماكن لا تزال تعج بالحواجز أمام النساء والأقليات.
تشير هارييت زوكرمان، عالمة الاجتماع بجامعة كولومبيا، إلى “مصفوفة من العقبات” تعترض طريق النساء في العلوم، مما يقلل من فرصهن في الوصول إلى المناصب القيادية التي تؤهلهن للترشح. أضف إلى ذلك عامل الزمن؛ حيث يشير المؤرخ نيلز هانسون إلى أن الفوز قد يستغرق ما بين 10 إلى 40 عاماً من لحظة الاكتشاف حتى التتويج، مما يتطلب بقاء العالم في دائرة الضوء والترشيحات المستمرة طوال تلك العقود.
علوم لا يراها نوبل
لا تقتصر المشكلة على من يفوز، بل تمتد إلى ما يتم تكريمه. وصية ألفريد نوبل حددت مجالات معينة (الفيزياء، الكيمياء، الطب)، مما ترك فجوات هائلة في خريطة العلم الحديث. يتساءل روبرت مارك فريدمان، مؤرخ العلوم بجامعة أوسلو: “أين موقع علم البيئة؟ ماذا عن دراسات المحيطات؟ الطقس والمناخ؟ الجيولوجيا؟”. هذه المجالات قد تكون مساهماتها حاسمة لمستقبل البشرية بقدر الاكتشافات الطبية، لكنها غالباً لا تجد مكاناً لها تحت مظلة نوبل.
رغم هذه التحفظات والقيود الهيكلية التي من غير المرجح أن تتغير قريباً، يظل للجائزة ثقلها المعنوي الهائل. يرى أمبروس وليشتمان أن أهمية نوبل تتجاوز الأفراد؛ فهي تذكّر العالم بأن العلم قادر على تغيير حياتنا. يقول أمبروس: “لقد تحدثت عن أبحاثي للجمهور في الشهرين الماضيين أكثر مما فعلت طوال مسيرتي المهنية السابقة”. حين يسمع الناس بنوبل، لا يثيرهم الفضول حول الفائز فحسب، بل يتجدد شغفهم بالعلم ذاته، وهذا ربما يكون الجائزة الحقيقية.