Table of Contents
بينما تُسمّرنا شاشات التلفاز لمشاهدة الموسم الثاني من مسلسل “ذا لاست أوف أس” (The Last of Us)، حيث يحارب البشر كائنات “زومبي” تسيطر عليها فطريات قاتلة، تدور في الواقع معركة أخرى أقل ضجيجاً لكنها لا تقل خطورة. في العمل الدرامي، تنجو البطلة “إيلي” بفضل مناعة نادرة، ويقاتل الآخرون بالنار والرصاص. أما في مستشفياتنا ومعاملنا البحثية، فالواقع مختلف تماماً؛ فلا بنادق تجدي نفعاً، وترسانتنا الدوائية شبه فارغة، والمناعة ضد الفطريات لغزٌ بيولوجي نحاول فك شفرته ببطء شديد بينما يتزايد أعداد الضحايا.
من الخيال إلى الواقع: الخطر يتصاعد
قد يبدو سيناريو تحول البشر إلى دمى تحركها الفطريات -كما يحدث مع بعض الحشرات والعناكب في الطبيعة- ضرباً من الخيال العلمي المستبعد حدوثه بيولوجياً. ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا ليس السيطرة العقلية، بل القدرة التدميرية للفطريات التقليدية التي باتت أكثر شراسة.
يشير الخبراء إلى أن التغير المناخي يساهم بوضوح في توسيع رقعة انتشار العدوى الفطرية. خذ على سبيل المثال “حمى الوادي” (Valley Fever) التي تسببها فطريات “الكروانية” (Coccidioides). الأرقام مقلقة؛ ففي ولاية أريزونا الأمريكية وحدها، قفزت الإصابات من أقل من 11,000 حالة في عام 2023 إلى أكثر من 14,700 حالة في عام 2024. وفي كاليفورنيا، ارتفعت الأرقام بشكل مماثل. هذه ليست مجرد إحصائيات، بل هي مؤشر على أن الفطريات تتمدد في البيئات التي يعيش فيها البشر، مستغلة الجفاف وتغيرات الطقس.
سر المناعة: لماذا لا نحتاج لعملية جراحية في الدماغ؟
في المسلسل، يحاول الأطباء استئصال جزء من دماغ البطلة لفهم مناعتها. يسخر جون ريكس، المدير الطبي لشركة “F2G” المتخصصة في مضادات الفطريات، من هذه الفكرة قائلاً: “بالتأكيد مصدر المناعة ليس في الدماغ”. في الواقع، إذا وصل الفطر الحقيقي -مثل مسبب حمى الوادي- إلى الدماغ، فإن الحالة تصبح غير قابلة للشفاء تماماً، وكل ما تفعله الأدوية الحالية هو إبطاء المرض فقط.
لكن، هل يمكن للإنسان أن يكتسب مناعة ضد الفطريات؟ الإجابة هي نعم، وإلى حد ما. يوضح إدوارد روب، كبير مسؤولي الاستراتيجية في شركة “Anivive” للأدوية، أن الأشخاص الذين ينشأون في مناطق موبوءة قد يطورون مناعة مدى الحياة ضد بعض الفطريات. ومع ذلك، هناك فطريات أخرى مثل تلك المسببة للقدم الرياضي أو عدوى الخميرة الجلدية، يمكنها إصابتنا مراراً وتكراراً دون أن يتعلم الجسم صدها نهائياً.
تكمن المعضلة في طبيعة جهازنا المناعي. الأجسام المضادة (Antibodies) التي تفتك بالفيروسات والبكتيريا غالباً ما تكون صغيرة جداً مقارنة بخلايا الفطريات الضخمة نسبياً. هنا يأتي دور “الخلايا التائية” (T cells)، وهي جنود المشاة في الجهاز المناعي القادرة على التعامل مع هذه الغزوات. المشكلة الحقيقية تواجه الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة أو الذين يتناولون مثبطات للمناعة، حيث تصبح دفاعاتهم مكشوفة تماماً أمام استنشاق الأبواغ الفطرية.

سباق اللقاحات: تدريب الجهاز المناعي
حتى الآن، لا يوجد لقاح معتمد للاستخدام البشري ضد الفطريات، لكن الأمل يلوح في الأفق. تعمل شركة “Anivive” حالياً على تطوير لقاحات ضد مرضين فطريين يصيبان البشر والكلاب: حمى الوادي وداء الفطار البرعمي (Blastomycosis). يعتمد اللقاح المقترح على فكرة عبقرية: استخدام فطر حي تم تعديله وراثياً بحيث يُمنع من تغيير شكله داخل الجسم. وكما يظهر الرسم التوضيحي أعلاه، فإن تحول الفطر من بويغة إلى خميرة هو مفتاح العدوى؛ فإذا أوقفنا هذا التحول، لن يحدث المرض، لكن الجهاز المناعي سيتعرف عليه ويتدرب على محاربته مستقبلاً.
يقول روب بأسلوب لا يخلو من الطرافة المريرة حول طرق الوقاية الحالية: “الوقاية الوحيدة المتاحة حالياً هي التوقف عن التنفس، وحتى الآن لم تنجح هذه الطريقة بشكل جيد”. لذا، فإن الحاجة للقاح باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى.
ترسانة فارغة: أزمة الأدوية المضادة للفطريات
إذا فشلت المناعة وتأخرت اللقاحات، فماذا عن العلاج؟ هنا تكمن الصدمة الحقيقية. حذرت منظمة الصحة العالمية مؤخراً من أن خياراتنا العلاجية قليلة بشكل مخيف، في وقت بدأت فيه الفطريات تطور مقاومة للأدوية المتاحة.
لتقريب الصورة، عندما يعالج الطبيب عدوى بكتيرية، يكون لديه قائمة طويلة من المضادات الحيوية المتنوعة. أما في حالة الفطريات، فالخيارات محدودة للغاية. خلال العقد الماضي، تمت الموافقة على أربعة عقاقير جديدة فقط للفطريات في العالم (أمريكا، أوروبا، الصين). وهناك تسعة عقاقير قيد التطوير، ثلاثة منها فقط وصلت للمراحل النهائية من الاختبارات البشرية.
أحد هذه العقاقير الواعدة هو “أولوروفيم” (Olorofim) الذي تطوره شركة ريكس. يعمل هذا الدواء بآلية جديدة تمنع الفطريات من تصنيع اللبنات الأساسية لحمضها النووي، مما يوقف تكاثرها. ومع ذلك، إذا حصل هذا الدواء على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قريباً، فسيكون ذلك تتويجاً لرحلة استغرقت 25 عاماً من البحث والتطوير.
يختتم ريكس حديثه بحقيقة صادمة تلخص الموقف: “إذا كنت تريد دواءً جديداً للفطريات اليوم، كان يجب أن تبدأ العمل عليه قبل 25 عاماً”. هذا البطء الشديد في تطوير الأسلحة الدفاعية يضع البشرية في موقف حرج، ويجعل من الضروري تكثيف الجهود العلمية والاستثمارات قبل أن يتحول “العدو الصامت” إلى جائحة لا نملك أدوات لصدها.