لم يكن عام 2024 مجرد محطة عابرة في تاريخ استكشاف الفضاء، بل كان عام التناقضات الكبرى؛ فبينما لامست البشرية سطح القمر بأيدٍ جديدة، ودعت رفاقاً أوفياء على المريخ، وانطلقت في رحلات ملحمية نحو أقمار المشتري الجليدية. من مدارات عطارد اللاهبة وصولاً إلى الأصقاع المتجمدة في النظام الشمسي الخارجي، شهدنا هذا العام مزيجاً من النجاحات الباهرة والتعثرات الدرامية التي أعادت تشكيل فهمنا لمكاننا في هذا الكون الفسيح.
زوار القمر الجدد: هبوط متعثر وعينات نادرة
عاد القمر ليتصدر المشهد كوجهة ساخنة للوكالات الحكومية والشركات الخاصة على حد سواء. بدأ العام بحدث لافت في يناير، حيث سجلت اليابان إنجازها التاريخي الأول عبر مركبة “سليم” (SLIM) التي نفذت هبوطاً دقيقاً، لكنه انتهى بوضعية مقلوبة غير متوقعة على حافة إحدى الفوهات. صُممت المركبة الذكية لجمع البيانات لمدة أسبوعين قمريين فقط، لكنها فاجأت الجميع بصمودها وإرسالها إشارات للأرض لمدة ثلاثة أشهر، متجاوزة ليالي القمر القارسة.

ولم تكن “سليم” الوحيدة التي واجهت تحديات الجاذبية؛ ففي فبراير، انضمت إليها مركبة “أوديسيوس” التابعة لشركة “إنتويتيف ماشينز” الأمريكية، التي تعثرت وانقلبت بالقرب من القطب الجنوبي للقمر. رغم قصر مهمتها التي استمرت ستة أيام، قدمت المركبة بيانات حيوية قد تخدم برنامج “أرتميس” التابع لوكالة ناسا، الطامح لإعادة البشر إلى القمر بحلول عام 2026.
أما الإنجاز الأبرز فكان من نصيب الصين عبر مهمة “تشانغ آه 6″، التي جلبت في يونيو الماضي أول عينات تربة من الجانب البعيد للقمر. كشفت التحليلات الأولية أن هذه التربة أكثر هشاشة من نظيرتها في الجانب المقابل للأرض، وأشارت دراسات نشرت في دورية Nature إلى نشاط بركاني في تلك المنطقة يعود لنحو 2.8 مليار سنة. وفي تطور مثير، انتقل المسبار المداري للمهمة ليدور حول نقطة “لاغرانج 2″، وهي نفس المنطقة التي يسبح فيها تلسكوب جيمس ويب، وسط غموض حول الخطط المستقبلية لوكالة الفضاء الصينية هناك.
لحظات وداع واكتشاف على الكوكب الأحمر
على سطح المريخ، افتتحنا العام بوداع مؤثر لأول مروحية تحلق في سماء كوكب آخر. المروحية “إنجينويتي” (Ingenuity)، الملقبة بـ”جيني”، التي كان من المفترض أن تحلق بضع مرات فقط خلال شهر واحد، صمدت لثلاث سنوات وأكملت 72 رحلة جوية. توقفت المروحية الجريئة عن العمل في يناير بعد تضرر شفرات دوارها، تاركة إرثاً هندسياً سيلهم المهمات المستقبلية.

في المقابل، حققت رفيقتها المركبة الجوالة “بيرسيفيرانس” اكتشافاً قد يكون الأهم حتى الآن في يوليو: صخرة تحتوي على مؤشرات كيميائية قد تدل على وجود ميكروبات قديمة. ومع ذلك، يظل مصير هذه العينة معلقاً، حيث يواجه مشروع “إعادة عينات المريخ” التابع لناسا أزمات في الميزانية، مما يهدد إمكانية جلب هذه الصخور الثمينة إلى مختبرات الأرض لدراستها بعمق.
القطاع الخاص: قفزات جريئة وعثرات تقنية
شهد عام 2024 تبايناً حاداً في أداء شركات الفضاء الخاصة. فبعد أربع سنوات من إرسال “سبيس إكس” رواداً لمحطة الفضاء الدولية، دعمت الشركة إنجازاً جديداً عبر مهمة “بولاريس دون” (Polaris Dawn) في سبتمبر. نفذ طاقم المهمة أول عملية سير في الفضاء لمدنيين بالكامل، واختبروا بدلات فضائية جديدة، بل وشهدت المهمة عزف سارة غيليس على الكمان في الفضاء لأول مرة في التاريخ.

على الجانب الآخر، واجهت شركة “بوينغ” أوقاتاً عصيبة. أطلقت مركبتها “ستارلاينر” رائدي الفضاء سونيتا ويليامز وبوتش ويلمور إلى المحطة الدولية في يونيو لمهمة كان يفترض أن تدوم ثمانية أيام، لكن مشاكل في المحركات أدت لتأجيل عودتهما. عادت المركبة فارغة إلى الأرض في سبتمبر، بينما سيضطر الرائدان للانتظار حتى فبراير القادم للعودة على متن مركبة تابعة للمنافس اللدود “سبيس إكس”.
نهاية حقبة صائد الكويكبات وعيون جديدة على عطارد
فقدت الأرض هذا العام واحداً من أهم حراسها الكونيين. في أغسطس، ودعت ناسا تلسكوب “نيوايز” (NEOWISE) الذي قضى أكثر من عقد في مسح السماء بحثاً عن الكويكبات التي قد تشكل خطراً على كوكبنا. رصد التلسكوب آلاف الكويكبات ومئات المذنبات معتمداً على الأشعة تحت الحمراء، ورغم تقاعده، فإن خليفته “NEO Surveyor” لن ينطلق قبل عام 2027، مما يتركنا في فترة ترقب مؤقتة.

وبعيداً نحو الشمس، أجرت مركبة “بيبي كولومبو” (BepiColombo) الأوروبية-اليابانية تحليقاً قريباً ومثيراً حول كوكب عطارد في الرابع من سبتمبر، ملتقطة صوراً نادرة لقطبه الجنوبي. تستغل المركبة جاذبية الكوكب الصغير لتعديل مسارها تمهيداً لدخول مداره رسمياً في نوفمبر 2026. المثير أن التحليق الأخير سمح برؤية تضاريس لن تكون مرئية حتى عند الاستقرار في المدار، بفضل زوايا الظلال العميقة التي كشفت تفاصيل الفوهات.

يوروبا: الرحلة نحو المحيط المخفي
اختتم العام بواحدة من أكثر المهمات طموحاً؛ انطلاق مركبة “يوروبا كليبر” (Europa Clipper) التابعة لناسا في 14 أكتوبر، متجهة نحو قمر المشتري الجليدي “يوروبا”. يُعتقد أن هذا القمر يخفي محيطاً مائياً ضخماً تحت قشرته الجليدية، مما يجعله أحد أبرز المرشحين لاحتضان حياة خارج الأرض.

عند وصولها في عام 2030، لن تدور المركبة حول القمر مباشرة بسبب الحقول المغناطيسية والإشعاعية الهائلة للمشتري التي قد تدمر أجهزتها. بدلاً من ذلك، ستتبنى استراتيجية “الغطس والهرب”، حيث ستحلق بالقرب من القمر لجمع البيانات ثم تبتعد للتعافي، في مناورة علمية دقيقة تهدف لكشف أسرار الحياة في أعماق نظامنا الشمسي.
