Table of Contents
لم يكن عام 2025 مجرد ورقة أخرى سقطت من التقويم العلمي، بل كان عاماً وقف فيه الباحثون في مفترق طرق تاريخي، تتجاذبهم فيه قوى الاكتشاف المذهلة من جهة، والضغوط السياسية غير المسبوقة من جهة أخرى. فبينما كانت التلسكوبات تستعد لفتح عيون جديدة على الكون، كانت أروقة اتخاذ القرار في واشنطن تعيد رسم خريطة الأولويات العلمية بقرارات وصفت بأنها الأكثر تأثيرًا وجدلاً في التاريخ الحديث.
عندما تصطدم السياسة بالمختبرات
لطالما اعتاد المجتمع العلمي أن يكون الخبر الأبرز في نهاية كل عام هو اختراق طبي أو اكتشاف كوني، لكن هذا العام اختلف المشهد جذرياً. فقد هيمن “الهجوم على العلم”، كما وصفته التقارير الصحفية المتخصصة، على عناوين الأخبار، مدفوعاً بتوجهات إدارة الرئيس ترامب في ولايته الثانية. لم تكن المسألة مجرد نقاشات نظرية، بل تحولت إلى إجراءات ملموسة استهدفت إعادة هيكلة الأولويات العلمية الوطنية.
وقد رصد المراقبون تحولات جذرية تمثلت في تجميد أو إنهاء أكثر من 5300 منحة بحثية تابعة للمعاهد الوطنية للصحة (NIH) والمؤسسة الوطنية للعلوم (NSF). هذه الخطوات لم تكن مجرد أرقام في ميزانية فيدرالية، بل مثلت ضربة موجعة لمجالات حظيت تاريخياً بدعم الحزبين، مثل علم الفلك والأبحاث الصحية الحيوية، مما وضع آلاف الباحثين أمام مستقبل غامض.
العلم يواصل مسيرته رغم العواصف
على الرغم من الضجيج السياسي، لم تتوقف عجلة الاكتشاف عن الدوران. فقد شهد العام قفزات نوعية لا يمكن تجاهلها، حيث واصل العلماء فك شفرات “الثورة الكمومية” القادمة التي تعد بتغيير مفاهيمنا عن الفيزياء والتكنولوجيا. وفي مجال الصحة العامة، سلطت الأضواء بقوة على ظواهر مقلقة، أبرزها الارتفاع الملحوظ في معدلات الإصابة بالسرطان بين الشباب، والجاذبية الإدمانية للأطعمة فائقة المعالجة التي باتت تهدد صحة المجتمعات.
ولعل الحدث الأبرز فلكياً كان بدء تشغيل “مرصد فيرا روبين”، الذي يعد بمثابة عين رقمية عملاقة ستمسح السماء وتكشف أسراراً جديدة عن المادة المظلمة. كما برزت الدراسات البيئية التي قدمت استراتيجيات مبنية على أسس علمية لحماية المجتمعات من حرائق الغابات المتزايدة، مؤكدة أن العلم يظل خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث الطبيعية.
ملفات شائكة وحقائق تحت المجهر
لم يقتصر الجدل هذا العام على التمويل، بل امتد ليشمل جوهر الحقائق العلمية في قضايا تمس حياة الناس مباشرة. وجد العلماء أنفسهم مضطرين للغوص عميقاً لتوضيح الحقائق وراء قضايا تحولت إلى ساحات سجال سياسي واجتماعي. ومن بين أبرز هذه القضايا:
- تعقيدات الجنس البيولوجي: حيث أكدت الأبحاث أن التصنيف البيولوجي يتجاوز الثنائية التقليدية (ذكر وأنثى) ليشمل طيفاً أكثر تعقيداً.
- سلامة المياه والصحة النفسية: عاد الجدل حول تأثيرات إزالة الفلورايد من مياه الشرب على صحة الأسنان، بالإضافة إلى مراجعة سلامة مضادات الاكتئاب وتأثيراتها طويلة المدى.
- لغز التوحد: تكثفت الجهود لفهم أسباب ارتفاع معدلات تشخيص التوحد، مع التركيز على الدعم الفعلي الذي يحتاجه المصابون وعائلاتهم للازدهار في المجتمع.
قراءة في البيانات ونظرة نحو المستقبل
في محاولة لفهم حجم التغيير، قام فريق البيانات بتحليل دقيق للمنح التي تم إيقافها، مستخدمين أدوات برمجية متطورة لتأكيد دقة النتائج. هذا التحليل البياني كشف عن نمط واضح لاستهداف قطاعات بحثية بعينها، مما يرسم صورة قاتمة لما قد يواجهه البحث العلمي في السنوات المقبلة.
ومع ذلك، لا يمكن أن ينتهي العام دون بارقة أمل. فقد تم اختيار خمسة باحثين شباب ضمن قائمة “علماء للمستقبل” لعام 2025. هؤلاء الباحثون، الذين يواجهون تحديات التمويل والتشكيك بصلابة ووضوح رؤية، يمثلون الروح الحقيقية للعلم. إنهم لا يسعون فقط للإجابة عن الأسئلة الكبرى، بل يحملون شعلة المعرفة في زمن العواصف، مؤكدين أن المستقبل -رغم كل شيء- سيظل يكتبه العلماء.