Table of Contents
تخيل أنك تبتعد عن نار مشتعلة في ليلة شتوية؛ المنطق والفيزياء يفرضان أن تشعر بالبرودة كلما زادت المسافة، وأن تفقد التيارات الهوائية الساخنة سرعتها وزخمها. لكن، وعلى عكس كل توقعات الديناميكا الحرارية المألوفة، يحدث شيء غريب جداً في جوار نجمنا: “الرياح الشمسية” لا تبرد ولا تتباطأ كما ينبغي لها، بل تزداد سخونة وتتسارع بشكل جنوني كلما ابتعدت عن سطح الشمس. لقد ظل هذا اللغز يؤرق علماء الفيزياء الفلكية منذ فجر عصر الفضاء، وبقي السؤال معلقاً: من أين تأتي هذه الطاقة الخفية؟
مصادفة فلكية سعيدة تحل اللغز القديم
بفضل محاذاة مدارية نادرة، ولحظة توقيت مثالية، يبدو أننا حصلنا أخيراً على الإجابة الحاسمة. فقد تمكن مسباران فضائيان، أحدهما تابع لوكالة “ناسا” والآخر لوكالة الفضاء الأوروبية، من رصد نفس التيار من البلازما الشمسية في وقتين مختلفين ومسافتين متباعدتين، مما قدم أول دليل مباشر على الآلية الخفية وراء هذا التسارع.
تشير البيانات التي نشرت في التاسع والعشرين من أغسطس في دورية Science المرموقة، إلى أن موجات مغناطيسية تعرف باسم “موجات ألفين” (Alfvén waves) تعمل كمضخات طاقة عملاقة، تحقن الرياح الشمسية بالحرارة والسرعة أثناء انطلاقها من الغلاف الجوي الخارجي للشمس.

يقول جان بيريز، عالم فيزياء البلازما في معهد فلوريدا للتكنولوجيا، والذي لم يشارك في الدراسة: «إن هذه النتائج تقدم مؤشراً قوياً للغاية على أن موجات ألفين هي المسؤول الأول عن تسخين وتسريع الرياح الشمسية».
مطاردة عبر النظام الشمسي
منذ أن بدأت المجسات الروبوتية بمغادرة الغلاف الجوي للأرض، لاحظ العلماء أن الرياح الشمسية – وهي تيار من الجسيمات المشحونة ينطلق من الشمس – تتسارع أثناء اندفاعها نحو النظام الشمسي. الحسابات النظرية تخبرنا أن درجة حرارة هذه الرياح يجب أن تنخفض مع تمددها في الفضاء، ورغم أن الانخفاض يحدث فعلياً، إلا أنه أبطأ بكثير مما تتنبأ به المعادلات، مما يعني وجود مصدر حراري يتدخل في العملية.
لطالما رصدت المراصد الأرضية “موجات ألفين” وهي تتمايل بالقرب من الشمس. هذه الموجات عبارة عن تذبذبات في المجالات المغناطيسية للبلازما، وأحياناً تكون قوية لدرجة أنها تنعكس على نفسها مشكلة ما يعرف بـ “التعرجات” أو (Switchbacks). كان الفيزيائيون يشكون في أن هذه الموجات تمتلك الطاقة الكافية لتفسير لغز السرعة والحرارة، لكن الدليل المباشر كان غائباً.
هنا يأتي دور مسبار “باركر” الشمسي (Parker Solar Probe) التابع لناسا، ومركبة “المدار الشمسي” (Solar Orbiter) الأوروبية. في أواخر فبراير 2022، مر مسبار “باركر” عبر منطقة تبعد عن الشمس خُمس المسافة بينها وبين عطارد، وهي المنطقة التي تنشط فيها هذه التعرجات الموجية. ولحسن الحظ، مرت مركبة “المدار الشمسي” عبر نفس تيار البلازما بعد أقل من يومين، ولكن عند مسافة أبعد توازي مدار كوكب الزهرة.
الرياضيات تكشف السر: أين اختفت الموجات؟
تقول ييمي ريفيرا، عالمة الفيزياء الشمسية في مركز هارفارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية: «لقد اعترضت المركبتان نفس تيار الرياح الشمسية، مما سمح لنا بقياس طاقة هذه الموجات وتحديد مصيرها».
عندما عبر مسبار “باركر” التيار أولاً، قاس سرعة تدفق البلازما بحوالي 1.4 مليون كيلومتر في الساعة. ولكن عندما وصلت نفس البلازما إلى “المدار الشمسي”، كانت قد تسارعت لتصل إلى 1.8 مليون كيلومتر في الساعة. ليس هذا فحسب، بل كانت البلازما عند المركبة الثانية تغلي عند درجة حرارة 200,000 درجة مئوية، وهو ما يزيد بثلاثة أضعاف عما كان مفترضاً وفقاً للتقديرات النظرية.
المفاجأة الكبرى كانت في اختفاء “موجات ألفين”. لقد تلاشت الموجات التي رصدها “باركر” قبل وصول التيار إلى “المدار الشمسي”. وبحسب حسابات ريفيرا وفريقها، فإن الطاقة التي فقدتها هذه الموجات المتلاشية تعادل بالضبط كمية الطاقة اللازمة لتفسير الزيادة في السرعة والحرارة التي رصدتها المركبة الثانية.
يُشبّه سام بادمان، عالم الفيزياء الشمسية في مركز الفيزياء الفلكية، هذا التأثير بـ «تلويح يدك في نفق هوائي»، حيث تنتج اليد موجات تنتقل طاقتها وتختلط بالهواء المحيط، مما يزيد من اضطرابه وحرارته.
شكوك علمية وآفاق مستقبلية
رغم قوة الأدلة، لا يزال بعض العلماء يبدون حذراً علمياً محموداً. التحدي الأكبر يكمن في تعقيد الرياح الشمسية، واحتمالية ألا تكون المركبتان قد رصدتا نفس تيار البلازما بدقة تامة. ومع ذلك، تؤكد ريفيرا وبادمان أنهما أجريا اختبارات متعددة للتحقق، مثل مطابقة كمية الهيليوم في التيارات التي عبرتها المركبتان، وهي بمثابة “بصمة كيميائية” تؤكد أن المصدر واحد.
يأمل الباحثون في المستقبل تعزيز هذه النتائج من خلال استكشاف الفيزياء التفصيلية لكيفية انتقال الطاقة من موجات ألفين إلى جسيمات الرياح الشمسية، مما قد يفتح صفحة جديدة في فهمنا لطقس الفضاء وتأثير نجمنا على محيطه الكوني.