Table of Contents
مع حلول فصل الصيف، تنطلق سيمفونية الحياة الصاخبة؛ بدءاً من أزيز الحشرات وضجيج جزازات العشب، وصولاً إلى صرخات الأطفال المرحة والحفلات الموسيقية في الهواء الطلق. ورغم أن هذه الألحان الموسمية تشكل جزءاً لا يتجزأ من بهجة الصيف التي تصلنا عبر آذاننا، إلا أن حماية هذه الحاسة الحيوية غالباً ما تكون في ذيل قائمة أولوياتنا الصحية، هذا إن فكرنا فيها أصلاً. في الوقت الذي يسارع فيه الناس لحماية جلودهم من أشعة الشمس، تبقى حاسة السمع مكشوفة أمام “أشعة” من نوع آخر، قد تترك أثراً لا يُمحى.
كنزٌ سمعي لا ندرك قيمته
يميل البشر عادةً إلى تحديد ألوانهم المفضلة بسرعة بديهية، لكن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق بالأصوات المفضلة، وفقاً لما تراه ديانا مينكي، اختصاصية السمعيات في جامعة شمال كولورادو. ومن أجل دفع الناس لإعادة التفكير في قيمة حاسة السمع، بدأت مينكي في جمع “كنز” من الأصوات المفضلة لدى الناس: ضحكات الأطفال، وقع المطر على السقف، حفيف الرياح بين الأشجار، نبضات قلب من نحب، وحتى أصوات الحيوانات والموسيقى.
تؤكد مينكي قاعدة ذهبية بسيطة: “نحن نحمي الأشياء التي نثمّنها ونقدرها”، مضيفة أن التحدي الحقيقي يكمن في جعل الناس يدركون القيمة الفعلية لسمعهم قبل فوات الأوان. فبمجرد أن يبدأ الشخص في تقدير هذه الأصوات الدقيقة التي تشكل نسيج حياته اليومية، يصبح اتخاذ خطوات لحمايتها خياراً تلقائياً وليس عبئاً.
خلايا لا تتجدد وضريبة “حروق الشمس” الصوتية
من الحقائق البيولوجية القاسية التي يشير إليها فرانك لين، طبيب الأنف والأذن والحنجرة وعالم الأوبئة في جامعة جونز هوبكنز، أن فقدان السمع يرتبط بالتقدم في العمر بشكل حتمي إلى حد ما. السبب في ذلك يعود إلى أن الخلايا المسؤولة عن اكتشاف الأصوات وإرسال الإشارات إلى الدماغ لا تمتلك القدرة على التجدد. ويوضح لين: “لا يهم من تكون أو ماذا تفعل، قدرة الجميع على السمع تتراجع بشكل مطرد وثابت قليلاً طوال حياتهم”.
ويستخدم لين تشبيهاً بليغاً لتقريب الصورة، حيث يقارن التعرض للأصوات الصاخبة بالتعرض لأشعة الشمس. فكما أن حروق الشمس المتكررة تتراكم أضرارها لتسبب شيخوخة الجلد ومشاكل صحية لاحقة، فإن التعرض المستمر للضوضاء العالية يُراكم الضرر في الأذن الداخلية. يقول لين: “قد لا تقتلك نوبة واحدة من الضوضاء، ولكن إذا استمر تعرضك لضجيج عالٍ، فإنك ستدفع الثمن باهظاً بعد سنوات عديدة”.
العقل في مهب الضجيج: العلاقة الخفية
لا تتوقف خطورة فقدان السمع عند حدود الأذن، بل تمتد لتطال مركز القيادة في الجسم: الدماغ. فقد كشفت أبحاث لين وزملاء آخرين عن رابط وثيق بين السمع والإدراك. وتشير الدراسات إلى أن التدخلات العلاجية للسمع، بما في ذلك استخدام المعينات السمعية عند الضرورة، تساهم في إبطاء فقدان الذاكرة وتراجع مهارات التفكير لدى كبار السن المعرضين لمخاطر معرفية.
عندما تضعف حاسة السمع، يضطر الدماغ لبذل جهد إضافي هائل لمعالجة الأصوات وفهم الكلام، مما يستنزف الموارد المعرفية التي كان من الممكن توجيهها للذاكرة والتفكير. لذا، فإن الحفاظ على السمع ليس مجرد مسألة تواصل، بل هو استثمار طويل الأمد في صحة الدماغ وجودة الحياة الذهنية.
“رقم السمع”.. مؤشر حيوي جديد
جزء أساسي من استراتيجية الحماية يكمن في معرفة جودة السمع الحالية كنقطة انطلاق. وقد طوّر لين وفريقه تطبيقاً مجانياً يسمى “رقم السمع” (Hearing Number) لاختبار السمع في المنزل. يوفر هذا النوع من التطبيقات خط أساس رقمي للمستخدم، مثل معرفة مستوى الديسيبل الذي يمكن للأذن التقاطه. ويرى لين أنه “يجب على الناس التفكير في السمع كرقم يتابعونه طوال حياتهم، تماماً كما يتابعون ضغط الدم أو الوزن”.
وبعيداً عن التتبع الرقمي، تبقى سبل الوقاية واضحة ومتاحة. ينصح الخبراء بخفض مستوى الصوت كلما أمكن، والابتعاد عن مصادر الضوضاء، وتحديد الوقت الذي يقضيه الفرد بالقرب منها. وعندما لا تكون هذه التعديلات ممكنة، يصبح استخدام واقيات السمع ضرورة. وسواء كانت سدادات أذن إسفنجية رخيصة لمنع ضجيج جزازات العشب، أو سدادات متخصصة للحفلات الموسيقية تحافظ على جودة الصوت مع خفض حدته، فإن المفتاح يكمن في الراحة والاستمرارية.
في النهاية، دعوة الصيف هذا العام ليست فقط للاستمتاع بأصوات الطبيعة – كصوت طائر الكركي في الصباح الباكر الذي تعشقه مينكي – بل هي دعوة للتفكير في الآلية البيولوجية المعقدة التي تتيح لنا سماع كل تلك النغمات الجميلة، والعمل على حمايتها لتدوم طويلاً.