في مياه “بحر ساليش” الباردة بين كندا والولايات المتحدة، لا تكتفي حيتان القاتلة (الأوركا) بالصيد واللعب، بل يبدو أنها تخصص وقتاً لما يشبه “جلسات العناية بالبشرة”. هذا المشهد المذهل، الذي رصدته عدسات الباحثين مؤخراً، يكشف عن سلوك قد يغير فهمنا لذكاء الثدييات البحرية؛ إذ لم تكتفِ هذه الحيتان باستخدام ما تجده في الطبيعة فحسب، بل قامت بتعديله وتصنيعه لغرض محدد.
أول “مصنع” للأدوات تحت الماء
لطالما عُرفت حيتان الأوركا (Orcinus orca ater) بذكائها الحاد واستراتيجيات صيدها المعقدة، لكن دراسة جديدة نُشرت في دورية Current Biology كشفت عن جانب آخر من براعتها: القدرة على “صناعة” الأدوات. رصد العلماء مجموعة من هذه الحيتان وهي تقوم بانتزاع سيقان عشب البحر الثوري (Bull Kelp)، وتعديل حجمها عبر قضمها، لتستخدمها لاحقاً كفرشاة لفرك أجسادها.

وفقاً للدراسة، فإن هذا السلوك قد يمثل أول دليل علمي على قيام ثدييات بحرية بـ”تصنيع” أداة، وليس مجرد استخدامها كما هي، فضلاً عن كونها أول حالة موثقة لأداة يستفيد منها حيوانان في وقت واحد أثناء عملية التفاعل الاجتماعي.
كيف تصنع الحيتان أدواتها؟
لم يكن اكتشاف هذا السلوك وليد الصدفة البحتة، بل جاء ثمرة مراقبة دقيقة باستخدام طائرات مسيرة (درونز) مزودة بكاميرات عالية الدقة. يوضح مايكل فايس، عالم البيئة السلوكية في “مركز أبحاث الحيتان” بواشنطن، أن الفريق لاحظ هذا السلوك مراراً وتكراراً وبشكل يومي بمجرد أن عرفوا ما الذي يبحثون عنه.
أظهرت اللقطات الجوية التي جُمعت في ربيع وصيف عام 2024 تقنية مدهشة: يقوم الحوت بقضم ساق عشب البحر، ثم يحرك رأسه بقوة لانتزاع قطعة بحجم معين، مستفيداً من مقاومة النبات وطفو أجزائه العلوية. بعد “تجهيز” القطعة، يقلبها الحوت على خطمه ويضغط بها على جسد حوت آخر، ليقوما معاً بفرك القطعة بين جسديهما في حركة دائرية.

عناية بالجلد وروابط اجتماعية
تشير الملاحظات إلى أن هذا السلوك يخدم غرضين أساسيين: صحي واجتماعي. من الناحية الصحية، يبدو أن الحيتان التي تعاني من تراكم الجلد الميت أو مشاكل جلدية هي الأكثر انخراطاً في هذا النشاط، مما يرجح أن عشب البحر الخشن يعمل كأداة صنفرة طبيعية لتقشير الجلد.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد لاحظ الباحثون أن الأقران ذوي الأعمار المتقاربة والأقارب هم الأكثر تشاركاً في استخدام هذه الأدوات، مما يعزز الروابط داخل المجموعة. هذا التعاون يضفي بعداً عاطفياً على السلوك، حيث يتحول التنظيف من حاجة فردية إلى طقس جماعي.
ماذا يعني هذا لمستقبل أبحاث الحيتان؟
بينما تستخدم الدلافين الإسفنج البحري لحماية أنوفها أثناء البحث عن الطعام، فإن ما يميز حيتان “بحر ساليش” هو عملية التعديل المتعمد للأداة (التصنيع). ويخطط الفريق البحثي لمواصلة مراقبة هذه الحيتان لسنوات قادمة للتأكد مما إذا كان هذا السلوك ثقافة مكتسبة تتوارثها الأجيال، وما إذا كان يقتصر على هذه المجموعة فقط.
ويختتم فايس حديثه بنبرة تحمل الكثير من التواضع العلمي: “تُعد حيتان الأوركا من أكثر الثدييات البحرية دراسة على الكوكب، ومع ذلك، فإننا في نواحٍ كثيرة ما زلنا نخدش السطح فقط في فهمنا لتعقيدات حياتها”.



