Table of Contents
في مشهد يبدو للوهلة الأولى غير ذي أهمية، تتطاير جزيئات صغيرة متوهجة من الخشب المحترق عبر الهواء المعبأ بالدخان، متجهة نحو منزل هادئ. هذه الجسيمات، التي لا يتجاوز حجم كل منها بضعة سنتيمترات، ليست مجرد رماد عابر؛ إنها بذور دمار كامنة. تشير تقديرات الباحثين إلى أن هذه الجمرات المتطايرة (Embers) هي المسؤولة عن اشتعال ما بين 60 إلى 90 بالمائة من المنازل في حرائق الغابات، وليس ألسنة اللهب المباشرة كما يعتقد الكثيرون.
في تجربة عملية تحاكي هذا الكابوس داخل المختبر الوطني لأبحاث الحرائق في ماريلاند، وضع الباحثون حاوية نفايات بجوار نموذج لجانب منزل، وتركوا غطاءها مفتوحاً قليلاً. في ثوانٍ معدودة، تسللت الجمرات المتوهجة إلى الداخل، واشتعلت النيران في القمامة، لتتصاعد ألسنة اللهب وتلعق جدار المنزل. وسرعان ما بدأ الغطاء الخارجي المصنوع من الفينيل في الذوبان والتقشّر، ليتطور المشهد إلى جحيم مصغر يلتهم الهيكل بأكمله. لم يكن هذا المنزل حقيقياً، بل كان مسرحاً لتجربة علمية دقيقة تكشف كيف يمكن لخطأ بسيط أن يحول حياً كاملاً إلى رماد.

العدو الخفي في مناطق التماس
يقف ألكسندر مارانغيديس، مهندس الحماية من الحرائق في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا (NIST)، أمام بقايا التجربة مشيراً بوضوح: “كل هذا بسبب الجمرات”. تكشف هذه التجارب تفاصيل حاسمة حول كيفية تدمير حرائق الغابات للمجتمعات، خاصة تلك الواقعة في ما يعرف بـ “مناطق التداخل بين البرية والحضر” (WUI). وهي المناطق التي تلتقي فيها التجمعات السكنية بالغابات أو الأراضي العشبية.

يعيش اليوم حوالي 40 بالمائة من سكان الأرض في هذه المناطق الحدودية الخطرة. ومع تفاقم التغير المناخي، أصبحت مواسم الحرائق أطول وأكثر جفافاً، مما يخلق ظروفاً مثالية للكوارث. يرى جاك كوهين، العالم المتقاعد من هيئة الغابات الأمريكية، أن المشكلة ليست في الحريق ذاته بقدر ما هي في “قابلية الهياكل للاشتعال”. فالمكافحة التقليدية للنيران تفشل أمام الظروف المتطرفة، والحل يكمن في تعديل المجتمعات لتصبح قلاعاً مقاومة للنيران.
نظرية الدومينو: لماذا لا يكفي أن تحمي منزلك فقط؟
أثمرت عقود من البحث عن مبادئ توجيهية جديدة، مثل “منهجية الحد من المخاطر” التي طورها معهد NIST. وتطرح هذه المنهجية حقيقة جوهرية: في الأحياء التي تكون فيها المنازل متقاربة، لا تجدي الحماية الفردية نفعاً إذا لم يشارك المجتمع بأكمله. الحريق لا يعترف بحدود الملكية العقارية؛ فبمجرد اشتعال منزل واحد، يتحول إلى مصدر تهديد وجودي للمنازل المجاورة الواقعة في نطاق 15 متراً (حوالي 50 قدماً).
يشبه الأمر المناعة الجماعية؛ فوجود منزل واحد غير محصن يمكن أن يعرض الحي بأكمله للخطر من خلال تأثير الدومينو، حيث تنتقل النيران من هيكل لآخر. لذا، فإن تحصين جميع المباني في المجتمع هو السبيل الوحيد لضمان نجاة الجميع. هذا التحول في التفكير بدأ يترسخ في بعض المجتمعات الغربية، حيث أصبح التعايش مع النار ضرورة حتمية.
تحقيقات جنائية على مستوى المجتمع
في أعقاب “حريق المخيم” (Camp Fire) المدمر في كاليفورنيا عام 2018، والذي أودى بحياة 85 شخصاً، توجه فريق من الباحثين إلى الموقع في مهمة تشبه تحقيقات مسرح الجريمة (CSI) ولكن على مستوى المدينة. وثق الفريق كيف أن الرياح حملت الجمرات لكيلومترات أمام جبهة النار الرئيسية، لتشعل حرائق جديدة في عمق المناطق السكنية في لعبة قفز مميتة.

أدت هذه الملاحظات الميدانية إلى اكتشافات مخبرية مذهلة. فقد وجد الباحثون أن الأسوار الخشبية تعمل كفتيل ينقل النار بين المنازل، وأن أكواخ التخزين (Sheds) يجب أن تبعد ما لا يقل عن 4.5 متر عن المنزل. فعندما يشتعل الكوخ، تحبس جدرانه الحرارة والغازات، ليتحول إلى مدفع يطلق نفاثات من اللهب نحو أي فتحة قريبة.
استراتيجيات التحصين: أكثر من مجرد كود بناء
تتجاوز منهجية NIST أكواد البناء التقليدية، واصفة إياها بـ “الكود الزائد”. فهي لا تركز فقط على استخدام مواد مقاومة للحريق في البناء، بل تشمل إدارة المحيط الحيوي للمنزل. على سبيل المثال، يجب إزالة المواد القابلة للاشتعال مثل أثاث الفناء والنباتات والمركبات من المناطق الملاصقة للمنزل.

تتوافق هذه النتائج مع معايير معهد التأمين للأعمال والسلامة المنزلية (IBHS)، الذي يوصي بإجراءات صارمة، مثل إبعاد حاويات النفايات مسافة 30 قدماً عن المنزل أثناء التحذيرات من الحرائق. وقد أثبتت الدراسات الميدانية أن الحاويات البلاستيكية غالباً ما تذوب وتشتعل بفعل الجمرات، لتصبح وقوداً مثالياً لإحراق المنزل المجاور.
من المختبر إلى الواقع: التحدي البشري
على الرغم من وضوح العلم، يبقى التنفيذ هو العقبة الكبرى. في مقاطعة ليك بولاية كاليفورنيا، التي عانى سكانها مراراً من ويلات الحرائق، بدأت مبادرات محلية لتحديث المنازل القديمة وفقاً لهذه المعايير العلمية. التحدي لا يكمن في بناء منازل جديدة مقاومة، بل في تعديل آلاف المنازل القائمة بالفعل، وهو أمر مكلف ويتطلب تكاتفاً مجتمعياً.

ومع ذلك، يبقى الأمل معقوداً على تغيير الثقافة السائدة. يرى الخبراء أن حرائق الغابات، مقارنة بالكوارث الطبيعية الأخرى كالزلازل والأعاصير، هي الأكثر قابلية للتخفيف من قبل البشر. ففي حين تكمن طاقة الإعصار في الغلاف الجوي ولا يمكننا إيقافها، تكمن طاقة الحريق المدمر في المجتمع نفسه وفي المواد التي نكدسها حولنا. وكما يقول مارانغيديس، فإن الهدف المستقبلي هو أن تصل نيران الغابات إلى حدود المدينة ثم تخمد تلقائياً، ببساطة لأنها لم تجد ما تأكله.