خرطوم البعوضة: من أداة لامتصاص الدم إلى طابعة ثلاثية الأبعاد

خرطوم البعوضة: من أداة لامتصاص الدم إلى طابعة ثلاثية الأبعاد

في سابقة علمية، حول باحثون كنديون خرطوم البعوضة إلى فوهة دقيقة للطباعة ثلاثية الأبعاد. الابتكار الجديد يتفوق على الفوهات الصناعية في الدقة والتكلفة، ويفتح آفاقاً جديدة في الطباعة المجهرية.

Share your love

كندا

لطالما كان طنين البعوضة المزعج نذيراً بلسعة مؤلمة تدفعنا لقتل تلك الحشرة الصغيرة فوراً، لكن هل توقفت يوماً لتتأمل تلك “الإبرة” الدقيقة التي تخترق جلدك ببراعة جراحية؟ ما نراه مجرد آفة، رآه علماء الهندسة تحفةً تطورية لا تضاهى. وفي تحول علمي مثير، قرر باحثون استبدال فوهات الطابعات الصناعية المكلفة بأداة مجانية وفرتها الطبيعة: خرطوم البعوضة، ليحولوا الكائن الأكثر فتكاً بالبشر إلى أداة دقيقة للطباعة ثلاثية الأبعاد.

فن “الطباعة الجيفية”: استعارة أدوات الطبيعة

في دراسة رائدة نشرتها دورية Science Advances، كشف فريق من الباحثين عما أطلقوا عليه اسم “الطباعة الجيفية ثلاثية الأبعاد” (3-D necroprinting). يستلهم هذا المفهوم مبادئه من مجال “الروبوتات الجيفية” (Necrobotics)، وهو حقل علمي حديث يعتمد على توظيف أجزاء من كائنات نافقة ودمجها في الآلات عالية التقنية، كما حدث سابقاً عند تحويل أرجل العناكب النافقة إلى ملاقط روبوتية دقيقة.

صورة مجهرية إلكترونية لرأس بعوضة يظهر فيها الخرطوم والعيون المركبة وقرنا الاستشعار على خلفية سوداء
صورة بالمجهر الإلكتروني الماسح لرأس بعوضة، يظهر فيها الخرطوم (في المنتصف) الذي يستخدم عادة لثقب الجلد، وقد وجد العلماء أنه مثالي كفوهة للطباعة الدقيقة.

وقد وجد المهندس الميكانيكي تشانغ هونغ تساو وفريقه في جامعة ماكغيل الكندية أن خرطوم البعوضة يمتلك هندسة فريدة وخصائص ميكانيكية تجعله يتفوق على الفوهات الصناعية التقليدية. فبينما تكافح التقنيات الحالية للوصول إلى دقة متناهية بتكلفة معقولة، تمكن الفريق باستخدام خرطوم البعوضة من طباعة خطوط بعرض 20 ميكرومتراً فقط، وهو ما يعادل نصف سمك شعرة بشرية ناعمة، مما يفتح الباب أمام الطباعة بمقاييس مجهرية بالغة التعقيد.

لماذا الزاعجة المصرية تحديداً؟

لم يقع اختيار الفريق على البعوضة عبثاً؛ فقد قام تساو وزملاؤه بدراسة تحليلية شاملة للعديد من الأجزاء البيولوجية في الطبيعة، شملت إبر اللسع، والأنياب، والخطاطيف الطبيعية، بحثاً عن بديل حيوي لفوهات الطباعة. وقع الاختيار في النهاية على خرطوم أنثى بعوضة “الزاعجة المصرية” (Aedes aegypti).

يتميز هذا العضو الطبيعي بكونه مستقيماً نسبياً، بقطر داخلي يتراوح بين 10 و20 ميكرومتراً، وقدرة مدهشة على تحمل ضغط الحبر المتدفق خلاله. للمقارنة، فإن أفضل فوهات الطباعة التجارية المتاحة حالياً تمتلك أقطاراً داخلية تتراوح بين 35 و40 ميكرومتراً، أي ضعف حجم خرطوم البعوضة، فضلاً عن تكلفتها العالية وصعوبة تصنيعها.

تحديات هندسية وحلول مبتكرة

لم تكن العملية بسيطة مثل تركيب خرطوم البعوضة في طابعة تجارية. يوضح تساو أنهم واجهوا عقبة أولية: “اتضح أن الضغط الذي تتطلبه هذه الأجزاء البيولوجية قد يكون مرتفعاً جداً بالنسبة للطابعات التجارية المتاحة في السوق”. لذا، وبدلاً من إجبار الطبيعة على التكيف مع الآلة، قام الباحثون بتصميم طابعة مخصصة حول خرطوم البعوضة.

هيكل دقيق مطبوع ثلاثي الأبعاد على شكل ورقة قيقب شفافة موضوعة على سطح أملس
نموذج لورقة قيقب (شعار كندا) طُبعت بدقة متناهية باستخدام فوهة من خرطوم البعوضة. يبلغ عرض كل خط في الهيكل حوالي 18 ميكرومتراً.

لضمان استقرار “الفوهة الحيوية”، قام الفريق بطلائها بطبقة من الراتنج (Resin) وربطها بطرف هندسي لتشكيل مسار متصل لتدفق الحبر. ولإثبات كفاءة هذا الابتكار، طبع الفريق هياكل معقدة باستخدام حبر حيوي متوفر تجارياً، شملت شكلاً سداسياً يشبه قرص العسل، ونموذجاً لورقة القيقب، وسقالة مجهرية تستخدم لحمل عينات الخلايا البيولوجية.

ديمقراطية التصنيع ومستقبل الطب الحيوي

يرى الخبراء أن هذا النهج قد يقلب موازين التصنيع الدقيق. يشير دانيال بريستون، المهندس الميكانيكي في جامعة رايس الأمريكية (الذي لم يشارك في الدراسة)، إلى أن استخدام أجزاء صممتها الطبيعة مسبقاً يمكن أن يساعد في “إضفاء الطابع الديمقراطي” على الطباعة ثلاثية الأبعاد من خلال خفض التكاليف وإزالة الحواجز التقنية أمام الباحثين والمصنعين.

من جانبه، يؤكد جيانيو لي، مهندس المواد الحيوية في جامعة ماكغيل والمشارك في الدراسة، أن “هذه العينة البيولوجية المستمدة من الطبيعة أفضل بكثير من المواد الهندسية المصنعة”. ولا تتوقف الطموحات عند الطباعة؛ إذ يسعى لي وفريقه لاستخدام خرطوم البعوضة في تطبيقات طبية حيوية متقدمة، مثل تطوير إبر مجهرية لتوصيل الدواء بدقة وبدون ألم، مستفيدين من التصميم التطوري الذي سمح للبعوضة بامتصاص دمائنا لآلاف السنين دون أن نشعر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!