Table of Contents
لولا لحظة عشوائية من “الفوضى الجينية” وقعت قبل مئات الملايين من السنين، ربما لم نكن لنرى شباك العنكبوت التي تزين زوايا الطبيعة اليوم. فبينما نراقب العناكب وهي تغزل خيوطها ببراعة هندسية مذهلة، كشفت الأبحاث الحديثة أن الآلات الدقيقة المسؤولة عن هذه العملية، والمعروفة باسم “المغازل” (Spinnerets)، قد تكون نتاجاً لخطأ وراثي جسيم حدث لأسلاف العناكب القديمة، مما منح التطور فرصة ذهبية لتحويل أطراف عادية إلى مصانع حريرية فائقة التطور.

قصة الخطأ الذي صنع المعجزة
في اكتشاف نشرته دورية Science Advances في منتصف يناير، تتبع علماء الوراثة التطورية خيوط القصة إلى الوراء، وتحديداً إلى ما يقارب 400 مليون سنة مضت. في تلك الحقبة السحيقة، تعرض سلف مشترك لمجموعة العناكب والعقارب لما يُعرف بـ “تضاعف الجينوم الكامل”. هذا الحدث البيولوجي النادر يعني أن الكائن الحي لم يرث نسخة واحدة من حمضه النووي، بل وجد نفسه فجأة يمتلك نسختين كاملتين من كل جيناته.
يوضح شوتشيانغ لي، عالم الأحياء التطوري في جامعة آنهوي العادية بمدينة ووهو الصينية، أن هذا التضاعف كان بمثابة تقديم “قطع غيار” مجانية للتطور. فبدلاً من أن تظل الجينات المنسوخة تؤدي نفس الوظيفة القديمة، تحررت النسخ الجديدة لتتطور وتكتسب وظائف مغايرة تماماً، وهو ما مهد الطريق لظهور أعضاء جديدة كلياً.
من أطراف للمشي إلى مصانع للحرير
لإثبات هذه الفرضية، قام فريق البحث بتحليل الخريطة الجينية الكاملة لنوعين من العناكب ونوع من العقارب السوطية (Whip scorpion). وكشفت المقارنة الجينية أن الجين المعروف باسم abdominal-A لعب دور البطولة في هذه المسرحية التطورية. هذا الجين، الذي كان مسؤولاً في الأصل عن تحديد نمط الأطراف (كالأرجل)، خضع لتحورات وظيفية هائلة بعد عملية التضاعف الجيني.
أظهرت التجارب المعملية الدقيقة على أجنة العناكب أن تعطيل عمل هذا الجين يؤدي إلى اختفاء المغازل تماماً، مما يؤكد دوره الحاسم. تشير النتائج إلى أن المغازل هي في الأصل “أطراف أولية” (Protolimbs) تم إعادة توجيه وظيفتها جينياً؛ فبدلاً من أن تنمو لتصبح أرجلاً للحركة، تحولت بفضل النسخ الجينية الإضافية وتفاعل جين abdominal-A إلى أعضاء متخصصة بضخ الحرير السائل وغزله.
جدل علمي: هل القصة كاملة؟
رغم أناقة هذا التفسير الجيني، يرى بعض الخبراء أن الصورة قد تكون أكثر تعقيداً. يعلق براشانت شارما، عالم أحياء اللافقاريات بجامعة ويسكونسن-ماديسون، واصفاً العمل الجينومي بأنه “بديع”، لكنه يشير إلى نقطة جوهرية قد تقلب التفسير. يلاحظ شارما أن مفصليات أخرى، مثل “عناكب البحر” (Sea spiders) والعث، تفتقر أيضاً إلى جين abdominal-A، ولكن النتيجة لديهم ليست مجرد فقدان للمغازل، بل غياب للجزء الخلفي من الجسم برمته.
هذه الملاحظة تطرح احتمالاً بديلاً: ربما لا يتحكم هذا الجين في تكوين المغازل بشكل حصري، بل قد يكون المسؤول عن تنظيم نمو قطاعات الجسم الخلفية بالكامل. وبالتالي، قد يكون الباحثون قد عثروا على المسار الجيني الذي يحدد شكل الجسم الخلفي للعنكبوتيات بشكل عام، وليس فقط وصفة صنع المغازل.
التضاعف الجيني محركاً للتنوع
تعد ظاهرة تضاعف الجينوم الكامل شائعة نسبياً في عالم النباتات، ولطالما ارتبطت بظهور ثمار وأزهار جديدة، لكنها نادرة الحدوث في المملكة الحيوانية. ومع ذلك، عندما تحدث، فإنها توفر ما يمكن وصفه بـ “عقارات جينية شاغرة” تسمح للكائنات باستكشاف مسارات تطورية جريئة دون الخوف من فقدان الوظائف الحيوية الأساسية.
يؤكد شوتشيانغ لي أن هذه الآلية التطورية القوية هي ثيمة متكررة في توليد التنوع البيولوجي المذهل الذي نراه حولنا. فمن خطأ جيني قديم، انبثقت واحدة من أكثر المواد الطبيعية متانة وجمالاً، لتنسج العناكب تاريخها الناجح الممتد لملايين السنين بخيوط من حرير.