دراسة تبحث مراحل تفشي واحتواء فيروس “كوفيد ـ 19” في الصين

تعامل السلطات الصينية مع انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بمدينة ووهان الصينية مازال يثير...

دراسة تبحث مراحل تفشي واحتواء فيروس “كوفيد ـ 19” في الصين

دراسة تبحث مراحل تفشي واحتواء فيروس "كوفيد ـ 19" في الصين

تعامل السلطات الصينية مع انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) بمدينة ووهان الصينية مازال يثير الجدل عالميا، خصوصا مع إقرار الرئيس الصيني “شي جين بينغ” بأنه “أكبر حالة طوارئ للصحة العامة بالبلاد” منذ تأسيسها عام 1949.

مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة أصدر دراسة بحثية بعنوان “الحكم المحافظ واحتواء كوفيد-19 في مرحلة تفشيه المبكرة وفقًا للخبراء”، ترصد مراحل تفشي وباء كوفيد-19 بالصين، وكيفية احتوائه.

ويفسر الباحثون سلوك متخذي القرار في بكين، الذي وُصف بالمتأخر، مستندين في ذلك إلى نموذج لاتخاذ القرار يدمج بين “التفكير المعتاد”، “والمخاوف السياسية”، “والاختيارات العقلانية”. ويختتم الباحثون دراستهم بإرشادات لتحسين دور الخبراء في الاستجابة للطوارئ الصحية.

وقسمت الدراسة البحثية تفشي وباء كورونا المستجد في الصين إلى ثلاث مراحل؛ بدأت المرحلة الأولى في الأول من ديسمبر 2019 بظهور أعراضه على بائع بسوق هوانان للمأكولات البحرية بووهان. واستمر عدد الحالات التي ظهرت عليها الأعراض نفسها بالتزايد حتى بلغ نحو 41 مريضًا في 31 ديسمبر 2019. وحينذاك لم تُصرح اللجنة الصحية لمدينة ووهان بأن هذه الأعراض المشابهة للأنفلونزا هي وباء محتمل التفشي.

ووفقا للمصدر ذاته، في التاسع والعشرين من الشهر ذاته، قام عشرة خبراء من مستشفى ووهان بعد اجتماعهم بإرسال أول تقرير للجنة الصحية للمدينة. ولاحقًا طلبت اللجنة من جميع المستشفيات الإبلاغ عن حالات هذا المرض (التهاب رئوي فيروسي غير معروف)؛ ثم أبلغت مركز مقاطعة هوبي لمكافحة الأمراض والوقاية، إلا أنها نهت الأطباء عن إشاعة الأخبار المتعلقة بالمرض إلى العامة تجنبًا لإثارة الذعر العام.

وامتدت المرحلة الثانية من 29 ديسمبر حتى 8 يناير، إذ حاولت لجان الصحة بووهان التقصي حول طبيعة المرض، والتسلسل الجيني له. وتم إخطار مركز ووهان للمكافحة والوقاية من الأمراض بهذا الالتهاب الرئوي غير معروف السبب. وطُلب من كافة مستشفيات ووهان الإبلاغ عن الحالات المشابهة. وفي 31 ديسمبر، أعلنت السلطات الرسمية بووهان عن الوباء، تضيف الورقة.

وبدأت المرحلة الثالثة، حسب المصدر ذاته، في التاسع من يناير، وقام خلالها المركز الوطني للمكافحة والوقاية من الأمراض بمشاركة المعلومات حول التسلسل الجيني الكامل للفيروس مع عدة دول، إلى جانب منظمة الصحة العالمية. وتم إطلاق حالة الطوارئ من المستوى الأول. وفي 16 يناير، تم تكوين 13 فرقة عمل للطوارئ.

وعلى مدار المراحل الثلاث تم إرسال ثلاث مجموعات من الخبراء، تمسكت أول مجموعتين منها بآرائهما المتعلقة بعدم تهويل أمر الوباء، وعدم انتقاله من شخص لآخر. ولكن في التاسع عشر من يناير أعلنت المجموعة الثالثة إمكانية انتقاله من شخص لآخر، وطالبت بسرعة اتخاذ قرارات حكومية.

وتشير الدراسة إلى تباطؤ السلطات المحلية في اتخاذ الإجراءات المتعلقة بالسيطرة على المرض، كالعزل الكلي، معتبرة أن الأمر قابل للسيطرة، وهو ما تسبب في سرعة انتشار المرض داخل الصين، خصوصًا عند الاحتفال بالسنة الصينية الجديدة وعودة نحو خمسة ملايين من الطلاب إلى ذويهم في مختلف البلدات.

وتذكر الدراسة أن الخبراء الصينيين يؤثرون في عملية صنع القرار السياسي ويتأثرون به؛ ورغم غزارة معلوماتهم عن الأشخاص العاديين، إلا أن أخطاءهم واردة. ومن منظور العلوم السلوكية، ترتبط قرارات الخبراء بخبرتهم السابقة، وبطبيعة إدراكهم للمخاطر، وعادة ما يحافظون على نهجهم الاعتيادي في التفكير؛ ولعل هذا ما تسبب في حدوث سيناريو “البجعة السوداء” مع وباء كوفيد-19، فالسلوك الاعتيادي في التفكير بالفيروس والاستهانة به تسبب في مشاكل جمة غير متوقعة.

وتضيف الدراسة أن الاعتبارات السياسية والاجتماعية للخبراء تؤثر على طريقة تصورهم للحدث. ويفترض الباحثون أن الخبراء هم أشخاص عقلانيون عند اتخاذ القرارات، فضلًا عن كونهم صادقين في إيصالها، كما أنهم لا يكونون تحت ضغط سياسي يجبرهم على اتخاذ قرار معين، وإصدار حكم منافٍ للواقع.

ويشير الباحثون إلى أن النظام السياسي الصيني مركزي يتجه من أعلى إلى أسفل، وتتم صياغة قراراته من الحزب والحكومة الحاكمة، ويمارس سلطاته من خلال اتباع أسلوب الضغط الهرمي من أعلى إلى أسفل.

وفي حالة كوفيد-19، تأثر الخبراء -بالضرورة- بالقبضة الحاكمة السلطوية على المواطنين، التي تجعلهم في حالة ذعر تزداد مع احتمال تلقيهم عقوبات سياسية جراء تسرعهم في اتخاذ قرارات تتعلق بتفشي الوباء تثير الذعر الاجتماعي بين المواطنين، كما أنها تؤثر على الشرعية السياسية للحكومة. ولذلك اتسمت قرارات الخبراء الأولية بالتحفظ.

وتأثر الخبراء بالتهديد السياسي الذي تفرضه الحكومة الصينية، كما في لحظة إلقاء القبض على الدكتور Li Wenliang بمشفى ووهان الذي حذر زملاءه عبر تطبيق wechat، رغم كونه عضوًا في الحزب الشيوعي الصيني. وقد أنكرت مجموعتا الخبراء الذين أرسلتهم لجنة الصحة الوطنية في المرحلتين الأولى والثانية فكرة تفشي الوباء. كما ساهمت حالة عدم اليقين من موقف الحكومة والعقوبة المحتملة في حالة ارتكاب أخطاء تتركز على المبالغة في تحديد الخطر الناجم عن الوباء في تحفظ الخبراء.

وفي أزمة تفشي فيروس كورونا، تشير الدراسة إلى أن الخبراء الصينيين لو اتخذوا القرار المتعلق بنشر التحذير من الوباء ربما واجهوا عقوبات سياسية في حال ثبت خطأ ادعائهم وإشاعتهم إنذارًا كاذبًا، ولو اتخذوا قرارات متحفظة فسيكون الأمر أكثر أمانًا بالنسبة لهم على المستوى السياسي.

ومال الخبراء الصينيون المقيدون بروابط اجتماعية وسياسية إلى اتخاذ قرارات متحفظة بشأن الوباء، وهو ما يُعتبر اختيارًا عقلانيًّا من منظور جماعي صيني نتيجة نقص المعلومات حول طبيعة المرض، ولميل العوام إلى الحفاظ على سير حياتهم الطبيعية، ورفض الحكومات نشر الأخبار السيئة التي من شأنها الإضرار بالشأن العام.

وفي المجمل، تأثر الخبراء الصينيون بالعوامل الثلاثة عند اتخاذ قراراتهم، كما أنهم مالوا إلى ارتكاب أخطاء من النوع الأول والثاني؛ ولكن الثاني هو الأكثر ملاحظة، وهو ما تسبب في تفشي الوباء.

وتخلُصُ الدراسة إلى نتيجة مفادها أن أزمة الصحة العامة الصينية المتمثلة في تفشي وباء كورونا خلقت معضلة في آلية اتخاذ القرارات القائمة على العناصر الثلاثة: “التفكير المعتاد، والمخاوف السياسية، والقرارات العقلانية”؛ لذلك هناك حاجة إلى زيادة إسهام المعرفة وتدفق المعلومات الصحيحة لتخطي حدث “البجعة السوداء”، حيث ستصبح القرارات أكثر واقعية، وأكثر ارتباطًا بالصالح العام.

Source: Hespress.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *