ذاكرة الكالسيوم: كيف يتذكر نبات خناق الذباب فريسته؟

ذاكرة الكالسيوم: كيف يتذكر نبات خناق الذباب فريسته؟

بلا دماغ أو جهاز عصبي، يستطيع نبات خناق الذباب تذكر لمسات فريسته لمدة 30 ثانية. دراسة جديدة تكشف بالصور كيف يلعب الكالسيوم دور الذاكرة المؤقتة.

Japan

بلا دماغ أو جهاز عصبي مركزي، يقف نبات “خناق الذباب” (Venus flytrap) بفكيه المشرعين بانتظار فريسة غافلة. لكن خلف هذا السكون الظاهري، تدور عمليات حسابية دقيقة؛ فالنبات لا يطبق فكيه عشوائياً، بل “يعد” لمسات الفريسة قبل أن يتخذ قرار الإطباق القاتل. ظل هذا اللغز محيراً للعلماء لعقود: كيف يمكن لنبات أن يمتلك “ذاكرة”، ولو لثوانٍ معدودة، يتذكر بها اللمسة الأولى وينتظر الثانية؟ الإجابة، كما كشفت تقنيات التصوير الحيوي الحديثة، تكمن في توهج عنصر الكالسيوم.

سر الذاكرة قصيرة المدى

تخيل أنك تلمس شعيرات هذا النبات المفترس مرة واحدة؛ لن يحدث شيء. سيظل الفخ مفتوحاً. لكن إذا عدت ولمست الشعيرات مرة أخرى خلال فترة زمنية لا تتجاوز 30 ثانية، سينقض الفخ بسرعة خاطفة. هذه النافذة الزمنية تمثل “الذاكرة قصيرة المدى” للنبات.

صورة مقربة لنبات خناق الذباب يظهر أوراقه التي تشبه الفكين والمزودة بشعيرات حساسة
عندما تلمس الحشرات الشعيرات الحساسة داخل الفخ، يتدفق الكالسيوم بكثافة إلى خلايا الأوراق، معطياً إشارة الإغلاق.

في دراسة نشرت بدورية (Nature Plants)، نجح فريق بحثي بقيادة عالم الأحياء ميتسوياسو هاسيبي من المعهد الوطني للبيولوجيا الأساسية في اليابان، في تقديم أول دليل مرئي ومباشر على أن الكالسيوم هو العملة التي يتعامل بها النبات لتخزين هذه المعلومات المؤقتة. وعن ذلك يقول هاسيبي: “نعلم أن بعض النباتات تمتلك ذاكرة طويلة المدى، مثل تذكر فترات البرد الشتوي للإزهار في الربيع، لكن الذاكرة اللحظية كانت لغزاً غامضاً، وهذا البحث يقدم الدليل الأول على تورط الكالسيوم في ذلك”.

عندما يضيء النبات باللون الأخضر

لفهم ما يحدث داخل الأنسجة النباتية، لجأ الباحثون إلى حيلة ذكية تعتمد على الهندسة الوراثية. قام الفريق بتعديل جينات نبات خناق الذباب (الاسم العلمي: Dionaea muscipula) لإنتاج بروتين خاص يتوهج باللون الأخضر فور تعرضه للكالسيوم. بعبارة أخرى، حولوا الكالسيوم غير المرئي إلى ضوء يمكن رصده وتصويره.

كانت النتائج مذهلة بصرياً وعلمياً. بمجرد لمس إحدى الشعيرات الحسية داخل الفخ لمرة واحدة، رصد العلماء تدفقاً مفاجئاً للكالسيوم يغمر خلايا الورقة، حيث بدأ التوهج من قاعدة الشعرة وانتشر عبر الورقة قبل أن يبدأ في الخفوت تدريجياً. هنا يكمن السر: اللمسة الأولى ترفع مستوى الكالسيوم، لكن ليس للحد الذي يكفي لإغلاق الفخ.

آلية العد وتفادي الإنذارات الكاذبة

لماذا يحتاج النبات لهذه الآلية المعقدة؟ الإجابة تكمن في اقتصاد الطاقة. عملية إغلاق الفخ وإعادة فتحه مكلفة جداً للنبات من حيث استهلاك الطاقة، لذا يجب عليه التأكد من أن ما لمسه هو فريسة حية تستحق العناء، وليس مجرد قطرة مطر أو ورقة شجر ساقطة.

رسم بياني يوضح ارتفاع وهبوط مستويات الكالسيوم داخل ورقة النبات مع كل لمسة
تظهر الصور توهج النبات المعدل وراثياً؛ اللمسة الأولى تسبب ارتفاعاً مؤقتاً للكالسيوم، بينما اللمسة الثانية ترفع التركيز ليتجاوز العتبة الحرجة، مما يؤدي لإغلاق الفخ.

أظهرت الدراسة أن الذاكرة قصيرة المدى للنبات هي عبارة عن تذبذب في مستويات الكالسيوم (صعود وهبوط). إذا حدثت اللمسة الثانية قبل أن يتبدد كالسيوم اللمسة الأولى (أي خلال 30 ثانية)، فإن التدفق الجديد يضاف إلى القديم، مما يرفع تركيز الكالسيوم ليتجاوز “عتبة حرجة” معينة. هذا التجاوز هو بمثابة الضغط على الزناد، مما يجبر الفخ على الإطباق فوراً.

شبكة كهربائية وكيميائية معقدة

رغم هذا الاكتشاف المثير، لا تزال جعبة الطبيعة تخفي المزيد من الأسرار. يشير راينر هيدريش، أستاذ الفيزياء الحيوية بجامعة فورتسبورغ في ألمانيا والمشارك في الدراسة، إلى أن النبات يدير أيضاً “شبكة كهربائية سريعة”. هذه الشبكة تحول حركة الحشرة إلى تغييرات صغيرة في الجهد الكهربائي تنتشر عبر الخلايا. ولا يزال العلماء يحاولون فهم كيفية عمل نظام “ذاكرة الكالسيوم” بالتناغم مع هذه الإشارات الكهربائية لتنفيذ حركة الانقضاض الميكانيكية.

من جانبه، يرى أندريه بافلوفيتش، عالم فسيولوجيا النبات بجامعة بالاتسكي في جمهورية التشيك، أن نجاح الباحثين في جعل النبات يتوهج هو الإنجاز الأبرز. ويؤكد أن التعديلات الجينية شائعة في النباتات النموذجية، لكن تطبيقها بنجاح على النباتات المفترسة الأقل دراسة يعد “قفزة كبيرة للأمام”، قد تفتح الباب لفهم أعمق لكيفية إدراك النباتات للعالم من حولها دون عيون أو أدمغة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!