في أواخر أغسطس من عام 2005، لم تكن المياه التي اجتاحت ساحل الخليج الأمريكي مجرد فيضان عابر، بل كانت طوفانًا أعاد رسم ملامح التاريخ المناخي للولايات المتحدة. حينها، وقف العالم مذهولاً أمام مشاهد مدينة نيو أورليانز وهي تغرق، حيث انهارت السدود التي كان يُفترض بها حماية المدينة، لتغمر المياه 80% من مساحتها وتخلف وراءها أكثر من 1800 ضحية وخسائر مادية تجاوزت 125 مليار دولار. اليوم، وبعد مرور عقدين من الزمن، وبينما تتساوى ذكرى “كاترينا” مع إعصار “هارفي” كأكثر الكوارث تكلفة في السجلات الأطلسية، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل تعلمنا الدرس، أم أننا ننتظر كارثة أخرى؟
تشريح الكارثة: كيف يولد الوحش؟
لم يكن “كاترينا” في بدايته سوى واحد من 27 عاصفة تم تسميتها في موسم 2005 القياسي. في الخامس والعشرين من أغسطس، كان مجرد إعصار من الفئة الأولى يعبر فلوريدا نحو خليج المكسيك. لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن فجوة مخيفة في فهمنا لسلوك العواصف.

بدلاً من أن ينحرف شمالاً كما توقعت الأرصاد الجوية حينها، واصل الإعصار مسيره غرباً، متغذياً على طبقة سميكة من المياه الدافئة في الخليج. وفي غضون ساعات، تحول المشهد دراماتيكياً؛ فقد اشتد الإعصار بسرعة مذهلة ليقفز من الفئة الثالثة إلى الخامسة، مع رياح زادت سرعتها من 185 إلى 265 كيلومتراً في الساعة خلال 12 ساعة فقط. هذا “التكثف السريع” (Rapid Intensification) هو الكابوس الذي يحاول العلماء اليوم التنبؤ به قبل فوات الأوان.
ثورة في التنبؤات: سباق العلم مع الزمن
منذ تلك الأيام السوداء، شهد علم الأرصاد الجوية قفزات نوعية. يشير جيف ماسترز، عالم الأعاصير الذي حلق سابقاً مع فريق “صائدي الأعاصير”، إلى أن دقة التنبؤ بمسار العاصفة تحسنت بنسبة تزيد عن 50%. ففي عام 2005، كان هامش الخطأ في تحديد موقع الإعصار قبل أربعة أيام يصل إلى 300 كيلومتر؛ أما اليوم، فقد تقلص هذا الرقم إلى حوالي 200 كيلومتر.
هذا التحسن لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة مشروع تحسين التنبؤ بالأعاصير (HFIP) الذي أطلق عام 2007. بفضل البيانات القادمة من الأقمار الصناعية المتطورة مثل (GOES-16) وطائرات استطلاع تخترق قلب العاصفة، باتت النماذج الحاسوبية قادرة على محاكاة الغلاف الجوي بدقة غير مسبوقة. وقد أظهرت دراسة حديثة أن تحسين التنبؤات وفر حوالي 2 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية للأعاصير اللاحقة، وهو عائد استثماري هائل لبرنامج حكومي لم تتجاوز تكلفته 300 مليون دولار.
التغير المناخي: الخصم يغير قواعد اللعبة
رغم التطور التكنولوجي، فإن الطبيعة لا تقف مكتوفة الأيدي. يحذر ريناتو مولينا، الخبير الاقتصادي بجامعة ميامي، من أن التغير المناخي قد يلتهم هذه المكاسب العلمية. فالمحيطات تزداد سخونة، حيث ارتفعت حرارة سطح المياه في خليج المكسيك بحوالي درجة مئوية واحدة منذ الخمسينيات. هذه الحرارة هي الوقود الذي يجعل الأعاصير أقوى، وأكثر رطوبة، والأخطر من ذلك: أسرع تكثفاً.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن عدد العواصف الأطلسية التي تقفز من الفئة الأولى إلى الثالثة في أقل من 24 ساعة قد تضاعف في العقود الأخيرة. هذا يعني أن الوقت المتاح للسكان للإخلاء يتقلص، مما يجعل التنبؤ الدقيق مسألة حياة أو موت أكثر من أي وقت مضى.
مستقبل غامض: هل تخذل السياسة العلم؟
في الوقت الذي نحتاج فيه إلى كل معلومة وكل قمر صناعي، تلوح في الأفق تحديات بيروكراتية وسياسية قد تقوض هذا التقدم. يواجه برنامج “صائدي الأعاصير” مستقبلاً غامضاً مع تقليص كادره البشري، وهناك مخاوف جدية بشأن استمرار تدفق البيانات من الأقمار الصناعية العسكرية التي يعتمد عليها التنبؤ الجوي. الأخطر من ذلك هو ما كشفته “إعلان كاترينا”، وهي رسالة مفتوحة وقعها عشرات الموظفين الحاليين والسابقين في الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، محذرين من أن الوكالة تحيد عن مسار الإصلاح وتتجه نحو تكرار أخطاء الماضي.
إن المعادلة الآن واضحة ولكنها مرعبة: العلم يتقدم ليمنحنا وقتاً إضافياً للنجاة، بينما المناخ يزداد تطرفاً ليسلبنا هذا الوقت. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال المعلق: هل ستستثمر الحكومات في حماية شعوبها من خلال دعم البحث العلمي والبنية التحتية، أم سننتظر الذكرى القادمة لنحصي خسائرنا من جديد؟



