Table of Contents
تخيل امتلاك قدرة بصرية خارقة تمكنك من الرؤية عبر الفولاذ والخرسانة، واكتشاف ما يختبئ داخل أضخم الحاويات دون فتحها. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو وعد فيزياء “الميونات” (Muons)، تلك الجسيمات التي تشبه الإلكترونات لكنها أثقل وتتمتع بقدرة اختراق مذهلة. المشكلة الوحيدة التي كانت تواجه العلماء هي ندرة هذه الجسيمات في الطبيعة والحاجة إلى منشآت عملاقة لتوليدها صناعياً. لكن اليوم، يبدو أن المعادلة قد تغيرت، حيث نجح فيزيائيون في ترويض الليزر لتوليد حزم كثيفة من الميونات داخل المختبر، مستغنين عن المسرعات التقليدية التي تمتد لكيلومترات.
مسرعات بحجم دبابيس البولينغ
لطالما اعتمدت فيزياء الجسيمات العالية الطاقة على منشآت ضخمة ومكلفة لتسريع الجسيمات وإنتاج حزم الميونات. ولكن في قفزة تقنية لافتة، تمكنت عدة فرق بحثية من توليد هذه الجسيمات باستخدام مسرعات صغيرة تعمل بالليزر. تفتح هذه التقنية الباب أمام جيل جديد من أجهزة المسح المحمولة القادرة على كشف المواد المهربة الخطرة، مثل البلوتونيوم واليورانيوم، داخل حاويات الشحن البحري، وبسرعة وكفاءة غير مسبوقتين.
وفي هذا السياق، يوضح راجيف باتاثيل، الفيزيائي في مختبر روثرفورد أبلتون بإنجلترا، قائلاً: "إذا كنت ترغب حقاً في الاختراق عبر أمتار من الخرسانة أو الحجارة أو حتى المعادن، فإن الميونات هي الجسيمات المثالية لهذه المهمة".
كيف تعمل التقنية الجديدة؟
تعتمد الطريقة المبتكرة على مسرعات مصغرة تستخدم نبضات ليزرية قوية لضرب "البلازما" (وهي حالة من المادة تتكون من حساء من الجسيمات المشحونة). هذه الضربة الليزرية تخلق موجة من الشحنات الكهربائية داخل البلازما، تعمل كموجة تسونامي تدفع الإلكترونات لركوبها واكتساب طاقات هائلة. وعندما تصطدم هذه الإلكترونات المسرعة بمادة كثيفة مثل الرصاص، ينتج عن هذا التصادم حزمة من الميونات.

هذا بالضبط ما حققه الباحثون في مختبر لورنس بيركلي الوطني في كاليفورنيا. ففي دراسة نُشرت في الثامن من أكتوبر بمجلة Physical Review Accelerators and Beams، أفاد الفيزيائي دافيد تيرزاني وزملاؤه بأنهم نجحوا في تسريع الإلكترونات عبر مسافة لا تتجاوز 30 سنتيمتراً — أي أقصر قليلاً من طول قنّينة البولينغ. ورغم قصر المسافة، وصلت طاقة الإلكترونات إلى 10 مليارات إلكترون فولت، مما أدى لإنتاج ميونات بطاقة عدة مليارات إلكترون فولت. ولتحقيق نفس النتيجة باستخدام المسرعات التقليدية، كنا سنحتاج إلى آلة أطول بألف مرة.
يعلق جارون شروك، الفيزيائي بجامعة ميريلاند والمشارك في الدراسة، على هذا الإنجاز بقوله: "بإمكانك تحويل آلة بمقياس كيلومتر إلى شيء يمكن وضعه داخل مختبر عادي". وقد حدد الباحثون هوية الميونات الناتجة من خلال قياس زمن تحللها، الذي يبلغ متوسطه 2.2 ميكروثانية.
سباق عالمي نحو الميونات الليزرية
لا يقتصر هذا الإنجاز على الولايات المتحدة فحسب. فقد تمكن الفيزيائي جيانلوكا ساري وزملاؤه من جامعة كوينز بلفاست في أيرلندا من "استحضار" الميونات في مرفق البنية التحتية للضوء الشديد (ELI-NP) في رومانيا. وأكد الفريق وجود الميونات من خلال قياس كيفية إيداع الجسيمات للطاقة في كواشفهم، حيث وصلت طاقات الميونات إلى حوالي مليار إلكترون فولت.
وفي الشرق، وتحديداً في منشأة شنغهاي لليزر فائق الكثافة والسرعة، أبلغ باحثون في شهر مايو الماضي عبر مجلة Nature Physics عن توليد ميونات بطاقات مماثلة. ويشير وينتاو وانغ، الفيزيائي بمعهد شنغهاي للبصريات والميكانيكا الدقيقة، إلى أن دراستهم ركزت على فهم آليات الإنتاج بدقة.
من الأهرامات إلى أمن الموانئ
لقد استخدم العلماء سابقاً الميونات الطبيعية، التي تتكون في الغلاف الجوي للأرض نتيجة الأشعة الكونية، لاستكشاف ما بداخل الأهرامات المصرية والبراكين. لكن المشكلة تكمن في ندرتها؛ حيث يسقط ميون واحد فقط في الدقيقة على كل سنتيمتر مربع من سطح الأرض. هذا يجعل عملية التصوير بطيئة للغاية وغير عملية للمهام السريعة.
يقول باتاثيل: "في ميناء شحن مزدحم، لا يمكنك حقاً إبقاء حاوية هناك لساعات طويلة حتى تتمكن من الحصول على صورة". وهنا تكمن أهمية الحزم الصناعية التي تجعل العملية سريعة بما يكفي لتكون عملية تجارياً وأمنياً.
بدأ الباحثون بالفعل في اختبار هذه التطبيقات. ففي جامعة ولاية كولورادو، وضع الباحثون كاشفاً للميونات وجسماً من الرصاص داخل شاحنة خارج منشأة تحتوي على شعاع ميونات مولد بالليزر. وقد أظهرت النتائج أن الجسم ألقى "ظلاً" واضحاً في الميونات التقطه الكاشف، مما يُعد إثباتاً للمبدأ وتدشيناً لعصر جديد من تطبيقات الكشف الفيزيائي المحمولة.