Table of Contents
تخيل قارباً سريعاً يشق عباب بحيرة هادئة، تاركاً خلفه أثراً مضطرباً من الأمواج ورغوة الماء؛ هذا المشهد المألوف على الأرض هو أقرب تشبيه لما يحدث حالياً في أعماق الفضاء، وتحديداً في الغلاف الجوي لأحد أشهر النجوم في سمائنا. لطالما كان نجم “منكب الجوزاء” (Betelgeuse) لغزاً يحير الفلكيين بتقلباته الدرامية، لكننا اليوم أمام دليل مادي جديد قد يحسم الجدل القائم حول وحدته. يبدو أن هذا العملاق الأحمر ليس وحيداً كما كنا نظن، بل يرافقه “شريك” مشاغب يخترق غلافه الجوي تاركاً خلفه فوضى عارمة.
أثر مادي في عباءة العملاق
في اجتماع الجمعية الفلكية الأمريكية المنعقد في الخامس من يناير، قدمت أندريا دوبري، عالمة الفيزياء الفلكية في مركز هارفارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية، ما وصفته بأقوى دليل حتى الآن على وجود جسم بحجم الشمس يدور حول النجم العملاق. الدليل ليس رؤية مباشرة للنجم الرفيق فحسب، بل رصد “الأثر” أو الموجة الذيلية التي يتركها خلفه أثناء سباحته عبر الغلاف الجوي لمنكب الجوزاء.
وتؤكد دوبري بحماس علمي واضح: “هذا يؤكد وجود جسم هناك يخلق هذا الأثر، حقاً وصدقاً”. هذا الاكتشاف ينقلنا من مرحلة الفرضيات النظرية إلى مرحلة الأدلة الرصدية الملموسة، مما يغير فهمنا لطبيعة هذا النجم الذي يشكل “كتف” كوكبة الجبار (Orion) الشهيرة.
اضطراب في الغلاف الجوي
يكمن التحدي الرئيسي في رصد هذا الرفيق في موقعه الخطير؛ حيث يدور بمسافة تعادل أربعة أضعاف المسافة بين الأرض والشمس فقط. بالنسبة لنظامنا الشمسي قد تبدو هذه مسافة آمنة، لكن بالنسبة لعملاق بحجم منكب الجوزاء -الذي لو وضع مكان شمسنا لابتلع كوكب المشتري- فإن هذا المدار يقع فعلياً داخل طبقات غلافه الجوي الخارجي الممتد.

أدرك الفريق البحثي أن حركة جسم بهذا الحجم داخل وسط غازي لا بد أن تترك أثراً فيزيائياً. وللتحقق من ذلك، قاموا بتحليل بيانات تم جمعها على مدار ثماني سنوات باستخدام تلسكوب “هابل” الفضائي ومراصد أرضية أخرى. النتيجة كانت مذهلة: رصد الفريق تغيرات محددة في أطوال موجية للضوء تزداد سطوعاً عندما يمر الرفيق أمام وجه منكب الجوزاء، ثم تخفت ببطء عندما يتحرك خلفه. هذا النمط يتطابق تماماً مع نموذج تدفق غازي يتوسع ببطء خلف جسم متحرك، أي “الأثر” الذي يخلفه القارب.
حل لغز الدورة الطويلة
يساعد هذا الاكتشاف في حل معضلة أرقت الفلكيين لقرون. فمن المعروف أن سطوع منكب الجوزاء يتغير بشكل دوري، وقد حدد العلماء دورتين رئيسيتين: دورة قصيرة تستمر حوالي 400 يوم، ودورة طويلة تمتد لنحو 2100 يوم. وبينما عُزي التغير القصير إلى نبضات النجم الذاتية، ظلت الدورة الطويلة لغزاً غامضاً.
في عام 2024، اقترحت مجموعة من الفلكيين أن الدورة الطويلة سببها وجود رفيق نجمي أصغر. وفي العام التالي، ظهرت صور غير واضحة لما يُعتقد أنه هذا الرفيق. واليوم، تأتي نتائج دوبري لتضيف “لبنة جديدة في جدار الأدلة”، كما تصفها آنا أوغرادي، عالمة الفيزياء الفلكية النجمية في جامعة كارنيغي ميلون. وتشير أوغرادي إلى أن غياب انبعاثات الأشعة السينية يستبعد كون الرفيق ثقباً أسود أو نجماً نيوترونياً، مما يعزز فرضية كونه نجماً عادياً.
موعد مع الحقيقة في 2027
رغم قوة الأدلة الحالية، لا يزال العلماء متعطشين للمزيد من اليقين. في الوقت الراهن، يحجب منكب الجوزاء رفيقه الصغير عن رؤيتنا، ولكن دوبري وفريقها ينتظرون بصبر عام 2027، عندما يعود النجم الرفيق للظهور من خلف العملاق. وتؤكد دوبري: “بالتأكيد سنبحث عنه حينها”. هذا الاكتشاف لا يحل لغز منكب الجوزاء فحسب، بل يفتح الباب للبحث عن رفقاء مخفيين لنجوم عملاقة أخرى، مما قد يعيد كتابة ما نعرفه عن حياة هذه النجوم الضخمة.