Table of Contents
عندما تتحول الخرسانة المسلحة في بانكوك إلى ركام متناثر رغم بعدها مئات الكيلومترات عن مركز الحدث، ندرك فورًا أن باطن الأرض قد أطلق وحشًا جيولوجيًا هائلاً. لم يكن زلزال ميانمار الذي ضرب البلاد في الثامن والعشرين من مارس 2025 مجرد رقم جديد في سجلات المراصد، بل كان تذكيرًا قاسيًا بمدى هشاشة قشرتنا الأرضية في مواجهة قوى الطبيعة. بقوة 7.7 درجة على مقياس ريختر، لم يكتفِ هذا الزلزال بتمزيق الطرق وإسقاط الجسور، بل أعاد إلى الأذهان تاريخًا طويلاً من النشاط الزلزالي القاتل في منطقة صدع “ساجاينج”، طارحًا تساؤلات ملحة حول الديناميكيات الخفية التي تحكم هذه المنطقة المضطربة.
ثالوث الخطر: القوة والعمق والكثافة
في تمام الساعة 12:50 مساءً بالتوقيت المحلي، اهتزت الأرض بعنف شديد في وسط ميانمار. لم يكن التوقيت ولا الموقع في صالح السكان؛ فالزلزال تميز بـ “ثالوث خطر” جعل منه كارثة محققة: قوة هائلة، وعمق ضحل للغاية لا يتجاوز 10 كيلومترات، ووقوعه في منطقة مكتظة بالسكان ذات بنية تحتية هشة. الخبراء في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) يؤكدون دائمًا أن الزلازل الضحلة، حتى لو كانت أقل قوة، تحمل قدرة تدميرية أكبر على السطح مقارنة بالزلازل العميقة.

الحصيلة الأولية تشير إلى وفاة ما لا يقل عن 144 شخصًا، مع انهيار سدود وجسور حيوية. وقد صرحت ماري مانريك، منسقة برامج الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في ميانمار، بأن القلق الأكبر حاليًا ينصب على البنية التحتية العامة، خاصة السدود الكبرى التي قد يؤدي تصدعها إلى كوارث ثانوية وفيضانات تغرق ما تبقى من القرى المنكوبة.
صدع “ساجاينج”: عندما تنزلق الأرض جانبيًا
لفهم ما حدث علميًا، يجب أن نلقي نظرة على الآلية الميكانيكية لهذا الزلزال. يصنف الجيولوجيون هذا الحدث كـ “زلزال انزلاقي” (Strike-slip earthquake) وقع على طول صدع “ساجاينج” (Sagaing Fault) الشهير. هذا الصدع الضخم يمتد من الشمال إلى الجنوب قاطعًا وسط ميانمار، ويعمل كحد فاصل بين كتلتين صخريتين عملاقتين.

في الزلازل الانزلاقية، تحاول كتلتان من القشرة الأرضية الانزلاق جانبيًا بمحاذاة بعضهما البعض. وبسبب الاحتكاك الهائل، تلتصق الكتل مؤقتًا وتختزن الطاقة، حتى تصل إلى نقطة الانكسار، فتتحرر فجأة مطلقة موجات زلزالية عنيفة تمزق السطح. هذا الصدع هو جزء من حدود صفائح تكتونية معقدة للغاية، حيث تحتك صفيحة الهند – التي تندفع شمالاً – بصفيحة “سوندا” (Sunda Plate) الموجودة في الشرق.
تاريخ من النشاط الزلزالي وتأثير الدومينو
إن حركة صفيحة الهند المستمرة نحو الشمال لا تتسبب فقط في نمو جبال الهيمالايا، بل تضع المنطقة بأكملها في مسار تصادم جيولوجي مستمر. تاريخيًا، منطقة صدع ساجاينج ليست غريبة على الكوارث؛ فقد شهدت زلازل مدمرة بقوة 7.0 درجات في عام 1990، وزلزالاً هائلاً بقوة 7.9 درجات في عام 1912. وفي الفترة ما بين 1930 و1956 فقط، سجلت المنطقة ستة زلازل تجاوزت قوتها 7 درجات، مخلفة وراءها مئات الضحايا.

“تسييل التربة”: الرمال المتحركة القاتلة
خطر آخر لا يقل رعبًا عن الاهتزاز نفسه يهدد هذه المناطق، وهو ظاهرة “تسييل التربة” (Liquefaction). تحدث هذه الظاهرة في المناطق ذات الطبقات السميكة من التربة الرخوة والمشبعة بالمياه. عند حدوث الاهتزازات العنيفة، تفقد التربة تماسكها وتتصرف مؤقتًا كالسائل أو الرمال المتحركة، مما يؤدي إلى غوص المباني وانهيارها حتى لو كانت هياكلها سليمة.
السجلات التاريخية للمنطقة تشير إلى أن الزلازل السابقة تسببت في انزلاقات أرضية وحالات تسييل للتربة فاقمت من أعداد الضحايا بشكل كبير. وفي حين أنه من المبكر تحديد حجم الضرر الدقيق لزلزال مارس 2025، إلا أن طبيعة التربة في وسط ميانمار تجعل هذا السيناريو مرجحًا للغاية، مما يضيف تعقيدًا جديدًا أمام فرق الإنقاذ التي تحاول الوصول إلى المناطق المنكوبة.
بينما يراقب العالم جهود الإغاثة، يظل الدرس الجيولوجي واضحًا: نحن نعيش على قشرة متحركة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها، وفي مناطق مثل صدع ساجاينج، تكون ضريبة هذه الحركة باهظة الثمن.