Table of Contents
لم يكن الطائر الذي حطّ رحاله في سماء مدينة سان أنطونيو الأمريكية عام 2023 طائراً عادياً؛ فقد بدا وكأنه أحجية بيولوجية طائرة. بامتلاكه ريشاً فيروزياً تخالطه زرقة، وذيلاً مخططاً بالأبيض والأسود، كان يشبه إلى حد كبير طائر «القيق الأزرق» (Blue Jay)، لكن وجهه الأسود ونبرة صوته الخشنة والمميزة كانت تصرخ بغير ذلك، معلنة انتماءه لـ «القيق الأخضر» (Green Jay). لم يكن هذا التناقض مجرد طفرة شكلية، بل كان دليلاً حياً ومفاجئاً على تحولات بيئية عميقة تدفع الكائنات الحية لكسر حواجز الطبيعة التي صمدت لملايين السنين.
كشف المستور الجيني: «غرو جاي»
سرعان ما تحول هذا الزائر الغريب إلى مادة دسمة للبحث العلمي. فقد أكدت الفحوصات الجينية التي أجراها باحثون ونُشرت نتائجها في العاشر من سبتمبر في دورية Ecology and Evolution، أن هذا الطائر هو «هجين نادر للغاية». لقد نتج عن تزاوج أنثى من فصيلة القيق الأخضر مع ذكر من فصيلة القيق الأزرق، ليُطلق عليه العلماء والمهتمون اسم «غرو جاي» (Grue Jay)، دامجين الاسمين معاً.

ورغم أن ظاهرة التهجين بين الطيور ليست نادرة في المطلق، إلا أن تيموثي كيت، عالم البيئة والأحياء التطورية بجامعة تكساس في أوستن، يرى أن هذا التزاوج تحديداً يُعد حدثاً استثنائياً؛ فالنطاقات الجغرافية لهذين النوعين لم تبدأ بالتداخل إلا مؤخراً وبفعل التدخل البشري.
عندما تعيد الحرارة رسم الخرائط
لفهم غرابة هذا اللقاء، علينا النظر إلى الخريطة. فالقيق الأخضر (Cyanocorax yncas) هو طائر استوائي بامتياز، يمتد موطنه الطبيعي عبر المكسيك وأمريكا الوسطى وصولاً إلى هندوراس. وحتى مطلع هذا القرن، كان تواجده داخل الولايات المتحدة مقتصراً على وادي «ريو غراندي» قرب الحدود المكسيكية. لكن مع ارتفاع درجات حرارة الأرض، بدأت هذه الطيور في الزحف شمالاً لمئات الكيلومترات بحثاً عن ظروف ملائمة.

يقول كيت معلقاً على سرعة هذا التغير: «لقد حدث الأمر بسرعة مذهلة، ربما خلال فترة لم تتجاوز العشرين عاماً». وفي المقابل، كان القيق الأزرق (Cyanocitta cristata) يوسع نطاقه غرباً عبر كندا والولايات المتحدة، متتبعاً التوسع العمراني البشري ومستفيداً من وفرة الغذاء في ضواحي المدن، حتى وصل إلى جنوب وسط تكساس، وهناك حدث اللقاء التاريخي.
قفزة فوق 7 ملايين عام من التطور
ما يجعل هذا الهجين ظاهرة علمية مدهشة ليس فقط التقاء النطاقات الجغرافية، بل البُعد الجيني السحيق بين النوعين. عادة ما يحدث التهجين في البرية بين أنواع تشترك في سلف مشترك قريب نسبياً. لكن الانفصال التطوري بين القيق الأزرق والأخضر حدث قبل ما لا يقل عن 7 ملايين سنة، خلال أواخر العصر الميوسيني. للمقارنة، عاش السلف المشترك الأخير للبشر والشمبانزي في نفس تلك الفترة تقريباً.
وتعبر جيمي ألفيري، عالمة الأحياء التطورية بجامعة أيوا، عن دهشتها قائلة: «حقيقة أن كائنين تطورا بشكل مستقل لسبعة ملايين سنة ثم اجتمعا لينتجا نسلاً قابلاً للحياة هو أمر مذهل. إنها فترة زمنية طويلة جداً، إنه رقم هائل حقاً في عمر التطور».
لغز التزاوج ومستقبل غامض
يبقى السؤال المحير: لماذا قد تتجاوز أنثى قيق أخضر هذا الحاجز النوعي لتتزاوج مع ذكر قيق أزرق؟ يطرح العلماء فرضيتين؛ الأولى تتعلق بـ «انجذاب الطيور للحداثة»، حيث تُفضل الإناث أحياناً نغمات أو صفات جديدة وغير مألوفة. والفرضية الثانية هي «الخيار الأخير»، حيث يكون الطائران على أطراف نطاقاتهما الجغرافية ويعجزان عن إيجاد شريك من نفس النوع، فيلجآن للتزاوج مع النوع الآخر كحل أخير للبقاء.
الطائر الهجين الذي تم رصده هو ذكر، مما يرجح احتمالية قدرته على التكاثر (حيث تكون الذكور الهجينة في الطيور غالباً أكثر خصوبة من الإناث). ومع ذلك، بدا هذا الطائر وحيداً ومعزولاً اجتماعياً، وربما نبذته مجموعات القيق الأزرق الأخرى بسبب اختلافه.
يختتم كيت حديثه بنبرة تحذيرية، مشيراً إلى أن هذا الطائر الهجين ليس مجرد حالة فردية، بل هو مؤشر على التغيرات البيئية المتسارعة التي يسببها البشر. ويقول: «اربطوا أحزمتكم يا سادة، فنحن بصدد رؤية نتائج مختلفة تماماً»، متوقعاً مزيداً من الظواهر المناخية غير المألوفة وخلطاً غير مسبوق بين النباتات والحيوانات في المستقبل القريب.