Table of Contents
في الوقت الذي نخلد فيه إلى النوم، تواصل مدننا الحديثة إشعاع بريقها نحو السماء، محولة الليل إلى نهار دائم. لكن هذا الوهج الاصطناعي لا يحجب عنا النجوم فحسب، بل يتدخل بفظاظة في الساعة البيولوجية للكائنات التي تشاركنا العيش. تخيل أن يُطلب منك العمل لساعة إضافية كل يوم دون راحة؛ هذا بالضبط ما تفعله أضواء الشوارع والمباني بالطيور، حيث كشف تحليل علمي واسع النطاق أن التلوث الضوئي يجبر الطيور على تمديد فترات تغريدها اليومية بشكل غير مسبوق، مما يضعها تحت ضغط بيولوجي لا تزال عواقبه مجهولة.
ساعات عمل إضافية في عالم الطيور
لطالما عرف العلماء أن الضوء الاصطناعي يربك الحياة البرية، لكن حجم هذا التأثير كان مفاجأة حقيقية في أحدث الأبحاث المنشورة في دورية Science. ففي المناطق المضاءة بشدة، وُجد أن الطيور تغرد لمدة تزيد بنحو 50 دقيقة في المتوسط مقارنة بنظيرتها في المناطق المظلمة. يتوزع هذا “العمل الإضافي” بين 18 دقيقة في الصباح الباكر و32 دقيقة في المساء.

يقول نيل جيلبرت، عالم البيئة في جامعة ولاية أوكلاهوما: “بينما توقعنا بعض التعديلات السلوكية استجابة للأضواء الليلية، لم نكن نتوقع أن يكون التأثير بهذا الحجم”. هذا التمديد القسري في النشاط لا يقتصر على نوع واحد، بل شمل طيفاً واسعاً من الطيور التي تجد نفسها محاصرة في بيئة لا تعرف الظلام الدامس.
التنصت على الطبيعة بذكاء اصطناعي
للوصول إلى هذه النتائج، لم يعتمد الباحثون على المراقبة الميدانية التقليدية المحدودة، بل لجأوا إلى قوة “العلم التشاركي” (Citizen Science). تعاون جيلبرت مع برنت بيس، عالم بيئة الحياة البرية في جامعة جنوب إلينوي، لاستخدام بيانات ضخمة من مشروع “BirdWeather” العالمي. في هذا المشروع، يقوم المتطوعون بنشر أجهزة استشعار صوتية تلتقط أصوات الطيور، ثم تقوم خوارزميات تعلم الآلة بتحليل هذه الأصوات لتحديد الأنواع.
قام الفريق بفلترة وتحليل أكثر من 4.4 مليون تسجيل صوتي، راصدين أوقات بدء وانتهاء التغريد لـ 583 نوعاً مختلفاً من الطيور، ومقارنة تلك الأوقات بمستويات التلوث الضوئي المحلية. هذه المنهجية المبتكرة سمحت برسم صورة عالمية دقيقة لكيفية تغيير البشر لسلوكيات الكائنات الحية عن غير قصد.
عيون كبيرة واستجابة مضاعفة
أظهرت الدراسة أن التأثير ليس متساوياً بين جميع الأنواع؛ فالطيور ذات العيون الكبيرة، مثل طائر الزقزاق الصياح (Charadrius vociferus)، كانت أكثر استجابة لتمديد فترات الغناء. يُعزى ذلك غالباً إلى حساسية عيونها العالية للضوء، مما يجعلها تتأثر بأقل المستويات من الإضاءة الاصطناعية.
كما لوحظ أن هذا التأثير يتفاقم خلال موسم التكاثر. ففي هذا الوقت من العام، تبدأ الطيور عادة نشاطها في وقت مبكر جداً حين يكون الصباح لا يزال مظلماً. ومع وجود مصابيح الشوارع والأضواء الساطعة، تقع هذه الطيور في فخ الوهم البصري، معتقدة أن الوقت متأخر أكثر مما هو عليه في الواقع، مما يدفعها للغناء في أوقات أبكر بكثير مما تمليه طبيعتها.
هل هو إجهاد أم فرصة للتكيف؟
يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل هذا “الأداء الإضافي” ضار بالطيور؟ الإجابة ليست قاطعة بعد. يرجح العلماء أن هذا النشاط الزائد قد يقلل من ساعات نوم الطيور، وإن كان من الممكن أن تعوض ذلك بالنوم أثناء النهار. من ناحية أخرى، قد يمنحها هذا الوقت الإضافي فرصة أكبر للبحث عن الغذاء وإطعام صغارها، مما قد يكون ميزة تكيفية في البيئات الحضرية.
يختتم برنت بيس رؤيته للمشهد بتأكيد أن تأثيرنا على الطبيعة أعمق مما نرى، قائلاً: “أضواؤنا، التي نلقيها بلامبالاة في عتمة الليل، تحدث تأثيرات واسعة النطاق وغالباً خفية على حياة الحيوانات من حولنا”. إنه تذكير بأن كل مصباح نضيئه يتردد صداه في أغنية طائر يحاول التكيف مع عالم لم يعد ينام.