Table of Contents
لم تعد رحلة الولادة بالنسبة للكثير من العائلات مجرد انتقال بسيط إلى المستشفى المحلي لاستقبال مولود جديد، بل تحولت إلى معضلة لوجستية محفوفة بالمخاطر. تخيل أن تأتيك آلام المخاض، وبدلاً من الاطمئنان لقرب الرعاية الطبية، تجد نفسك مضطراً لقطع مسافات طويلة لأن المستشفى القريب منك قد أغلق أبواب قسم التوليد نهائياً. هذا الواقع لم يعد استثناءً، بل أصبح توجهاً متصاعداً يعيد رسم خريطة الرعاية الصحية، حيث تتسع رقعة المناطق المحرومة من خدمات الولادة بشكل يثير قلق الخبراء.
انحسار خدمات التوليد: أرقام مقلقة
تكشف التحليلات الحديثة لواقع المستشفيات الأمريكية عن اتجاه نزولي حاد في توفر خدمات رعاية الأمومة. فقد قام باحثون برصد حركة فتح وإغلاق وحدات المخاض والولادة في قرابة 5000 مستشفى خلال الفترة الممتدة من عام 2010 إلى 2022، وكانت النتيجة الصادمة أن الخسائر فاقت المكاسب بمراحل.

وفقاً للتقرير المنشور في الرابع من ديسمبر في دورية Journal of the American Medical Association، فإن أكثر من نصف المستشفيات الريفية وأكثر من ثلث المستشفيات الحضرية لم تكن تقدم خدمات التوليد في عام 2022. هذه الأرقام تمثل تدهوراً ملحوظاً مقارنة بعام 2010، حيث كانت نسبة المستشفيات الريفية التي تفتقر لهذه الخدمات 43%، والحضرية 30%.
المخاطر لا تختفي، بل تنتقل للأمهات
قد تبدو أسباب الإغلاق منطقية من وجهة نظر إدارية بحتة؛ فتكلفة الحفاظ على خدمات التوليد مرتفعة، وهناك نقص حاد في أطباء التوليد والممرضات المتخصصين، بالإضافة إلى مخاوف تتعلق بالسلامة والجودة. لكن كاتي كوجيمانيل، الباحثة في السياسات الصحية بجامعة مينيسوتا، ترى الجانب الآخر من العملة.
توضح كوجيمانيل أن المستشفى عندما يقرر أن مخاطر الإبقاء على وحدة التوليد مرتفعة للغاية ويقرر إغلاقها، فإن تلك المخاطر لا تتبخر في الهواء. وتقول: «المخاطر تبقى مع الأشخاص الذين سيلدون. فالناس سيستمرون في إنجاب الأطفال، لكن المكان الذي يمكنهم الولادة فيه بأمان يصبح أبعد فأبعد». هذا يعني ببساطة نقل العبء والخطر من المؤسسة الصحية إلى كاهل العائلة.
ظاهرة «صحاري الأمومة» وتهديد حياة الرضع
غياب خدمات المخاض والولادة ليس مجرد إزعاج لوجستي، بل هو عامل خطر مباشر يهدد صحة الأم والرضيع على حد سواء. وقد أظهرت الدراسات أن المناطق الريفية النائية التي فقدت خدمات التوليد شهدت ارتفاعاً في مخاطر «الولادة المبكرة» (Preterm Birth)، وهي أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الرضع.
يطلق الباحثون على المناطق التي تخلو مستشفياتها من خدمات التوليد، أو تلك التي تفتقر لمقدمي الرعاية المتخصصين، مصطلح «صحاري رعاية الأمومة» (Maternity-care deserts). وفي دراسة سابقة نُشرت عام 2020، وجد الباحثون أن النساء اللواتي يعشن في هذه الصحاري الطبية، كما هو الحال في بعض مناطق ولاية لويزيانا، واجهن خطراً أعلى للوفاة لأسباب تتعلق بالحمل مقارنة بالنساء اللواتي يتمتعن بفرص وصول أفضل للرعاية.
ما بعد الولادة: غياب الدعم الشامل
لا تتوقف التداعيات عند لحظة الولادة فقط. تشير كوجيمانيل إلى أن إغلاق وحدة التوليد في مستشفى ريفي غالباً ما يتبعه اختفاء سلسلة كاملة من الخدمات الداعمة، مثل استشاريي الرضاعة الطبيعية، فصول التثقيف حول الولادة، خدمات الصحة النفسية في الفترة المحيطة بالولادة، ومجموعات دعم ما بعد الولادة.
وتختتم الباحثة بتحذير شديد اللهجة حول أهمية هذه الخدمات المفقودة، مشيرة إلى حقيقة طبية غالباً ما يتم تجاهلها: «نصف جميع وفيات الأمهات تحدث في السنة الأولى بعد الولادة». لذا، فإن ضمان تجهيز المجتمعات لدعم الأمهات في هذه المرحلة الحرجة ليس ترفاً، بل ضرورة حتمية للحفاظ على الأرواح في ظل نظام صحي متغيّر.