Table of Contents
في صباح شتوي بارد من شهر يناير 2024، كان نيكولاس هاينز يتجول بين جبال «سيدونا» الحمراء الشهيرة في ولاية أريزونا الأمريكية، مستمتعاً بمشهد الحجر الرملي القرمزي الذي يحيط به من كل جانب. لكن، وكعادة العلماء الذين لا تتوقف عقولهم عن العمل حتى في أوقات الراحة، لفتت انتباهه صخرة صغيرة لا يتجاوز حجمها راحة اليد. كانت الصخرة بازلتية رمادية اللون، مرقطة بنقاط بلون الصدأ، وبدت غريبة تماماً في تلك البيئة الجيولوجية، وكأنها ضيف سقط سهواً من حقيبة مسافر آخر، أو ربما قذفتها براكين قديمة في المنطقة.
التوأم المريخي المفقود
لم يكن هاينز، عالم المواد في مختبر الدفع النفاث (JPL) التابع لوكالة «ناسا»، يعلم حين التقط تلك القطعة الصخرية واحتفظ بها في حقيبته، أنها ستصبح بعد ستة أشهر بطلاً لقصة علمية مثيرة. فقد اكتشف لاحقاً أن هذه الصخرة الأرضية تحمل شبهاً مذهلاً بصخرة أثارت ضجة عالمية على سطح المريخ، وهي الصخرة التي رصدتها مركبة «بيرسيفيرانس» (Perseverance) واشتبه العلماء في احتوائها على مؤشرات لحياة قديمة.
في يوليو 2024، أعلن باحثو «ناسا» أن المركبة الجوالة عثرت على صخرة حمراء أطلقوا عليها اسم «شلالات تشيافا» (Cheyava Falls). تميزت هذه الصخرة بوجود بقع بيضاء محاطة بحلقات سوداء تشبه «بقع النمر»، بالإضافة إلى حبيبات داكنة تشبه «بذور الخشخاش». وقد أظهرت تحليلات المركبة أن هذه البقع تحتوي على مركبات عضوية وفوسفات الحديد، وهي سمات كيميائية ترتبط غالباً في صخور الأرض بنشاط الميكروبات القديمة.

ليزر يقرأ اهتزاز الجزيئات
بينما ننتظر بشوق عودة العينات المريخية إلى الأرض، والتي قد تستغرق عقداً من الزمن، كان هاينز يختبر تقنية متطورة لتحليل الصخور تُعرف بـ «التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء الضوئية الحرارية» (O-PTIR). وعندما لاحظ التشابه الكبير في التوزيع والتركيب بين صخرته الأرضية وصخرة المريخ، أدرك أن لديه العينة المثالية لاختبار كفاءة هذه التقنية الجديدة استعداداً لليوم الموعود.
تعتمد تقنية (O-PTIR) على استخدام شعاعي ليزر لكشف أسرار المادة. يقوم الليزر الأول (أشعة تحت حمراء) بتسخين منطقة دقيقة جداً من العينة لا تتجاوز 15 ميكرومتراً، مما يجعل الجزيئات تهتز. ثم يأتي دور الليزر الثاني (ضوء مرئي) ليكشف عن طبيعة المواد بناءً على كيفية تشتت الضوء عند اصطدامه بتلك الجزيئات المهتزة.
يشبه هاينز هذه العملية بظاهرة «السراب» في الأيام الحارة، حيث نرى الهواء فوق الطريق الأسفلتية يتموج ويحني الضوء. هذا التغير الدقيق في الضوء المرئي يمنح العلماء بصمة كيميائية دقيقة توازي ما تقدمه تقنيات الأشعة تحت الحمراء التقليدية، لكن بدقة مكانية أعلى بكثير، وهو أمر حيوي عند البحث عن تراكيز منخفضة جداً من المواد العضوية في الصخور الفضائية.
اختبار عملي ونتائج واعدة
في دراسة نشرتها دورية Review of Scientific Instruments في أغسطس، طبق هاينز وزملاؤه هذه التقنية على الصخرة التي وجدها في أريزونا. ركز الفريق على ثلاث نقاط داخل إحدى البقع الصدئة ونقطة رابعة في الجسم الرمادي للصخرة.

كشفت النتائج أن البقعة الصدئة تحتوي على معدن الأوليفين الغني بالحديد والمغنيسيوم، بينما احتوى الجزء الرمادي من الصخرة على مواد عضوية غنية بالبروتين ذات روابط كيميائية معقدة. هذه القدرة على التمييز الدقيق بين المعادن والمواد العضوية وتوزيعها المكاني ستكون حاسمة عند فحص صخرة «شلالات تشيافا» المريخية مستقبلاً.
أداة جديدة في ترسانة البحث عن الحياة
يعلق مايك تايس، عالم الجيولوجيا الحيوية في جامعة تكساس إيه آند إم، مشيراً إلى أن المعلومات التفصيلية حول الروابط الكيميائية التي توفرها هذه التقنية ستضيف بعداً جديداً لتحليلات مركبة بيرسيفيرانس، مما قد يحسم الجدل حول ما إذا كانت «بقع النمر» دليلاً حقيقياً على الحياة أم مجرد تفاعلات كيميائية جيولوجية.
من جانبه، يرى برايان هاينك، جيولوجي الكواكب في جامعة كولورادو بولدر، أن الدراسة أثبتت دقة التقنية، لكنه ينوه إلى ضرورة اختبارها على نطاق أوسع من الصخور. ويشير إلى وجود صخور رملية في ولاية يوتا تحتوي على تشكيلات حديدية تشبه تلك الموجودة في المريخ، لكنها تشكلت بفعل ترسبات المياه الجوفية قبل ملايين السنين دون تدخل بيولوجي.
ومع ذلك، يظل الإجماع على أن تقنية (O-PTIR) تفتح عالماً جديداً من التحليلات، مضيفةً أداة قوية إلى صندوق أدوات العلماء في رحلة البحث الأبدية عن إجابة لسؤال: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟