نادية سعد الدين

عمان- يؤثر عدم استقرار الساحة الحزبية والسياسية الإسرائيلية في وتيرة الجهود، الإقليمية والدولية، الحثيثة حالياً لإستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، لجهة تأجيلها على الأقل، ولكنه من المستبعد أن يُغير في نتيجتها مآل استتباب المشهد الحكومي الإسرائيلي القادم لأحد منافسيه، أمام توافقهم حول “خطورة” إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كيانهم المُحتل.
وقد تمتد الفترة الضبابية الإسرائيلية حيال الموقف من العملية السياسية لفترة أطول، عند حدوث تغيرات مفاجئة في الخريطة الحزبية والسياسية، على شاكلة انفراط عقد الإئتلاف الحكومي والدعوة إلى انتخابات مبكرة، وسط الأزمة الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المتعلقة بالمحاكمات والفساد، مما قد يدفعه لتصديرها خارجاً، لربما باتجاه قطاع غزة أو لبنان، بعيداً عن طاولة التفاوض.
فيما قد يشكل دخول الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، للبيت الأبيض بعد نحو شهر من الآن، عامل ضغط على سلطات الاحتلال لناحية بلورة سياسة إسرائيلية واضحة تجاه عملية السلام، لاسيما في ظل مواقف بايدن التي أفصح عنها في أوقات سابقة حيال تأييده “لحل الدولتين” ومعارضته للاستيطان.
بيد أن الاحتلال الإسرائيلي يراهن على أجندة بايدن الرئاسية المثقلة بملفات حيوية، في المنظور الاستراتيجي الأميركي، وفي مقدمتها مواجهة فيروس “كورونا” والأزمة الاقتصادية والتوتر مع الصين وسبل التعامل مع الملف النووي الإيراني، مما قد يؤدي إلى تراجع الإهتمام بملف العملية السلمية، أو على ألأقل عدم وضعها في مقدمة جدول أعماله، وهو أمر مريح بالنسبة للجانب الإسرائيلي.
الخريطة السياسية الإسرائيلية والمفاوضات
قد توحي المعطيات الراهنة لوهلة بأنها عنصر ضغط على الاحتلال للعودة إلى طاولة المفاوضات وإحداث تقدم في مسارها، ولكنها سرعان ما تتهاوى عند اصطدامها بمخطط الضم الإسرائيلي الذي سيتنقل مع أي رئيس قادم للحكومة الإسرائيلية، فضلاً عما يسمى “صفقة القرن” الأيركية التي لم يتنصل منها بايدن، بما يشي ببقاء مضمونها حاضراً حتى لو كان تحت مسميات مختلفة.
وبالرغم من أن الصورة الحزبية والسياسية الإسرائيلية لم تتضح معالمها حتى الآن، إلا أن مواقف المنافسين المحتملين من القضية الفلسطينية ليست جديدة، إذ يتفق المنشق عن حزب الليكود، جدعون ساعر، مع نتنياهو، بوصفه أحد أبرز منافسيه، بأن “إقامة دولة فلسطينية يشكل خطراً على الكيان الإسرائيلي”، إلى جانب تأييده لضم مناطق واسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.
ولا يختلف وزير الجيش الإسرائيلي، زعيم حزب “أزرق أبيض”، بيني غانتس، عن سابقيه، إذ لطالما دعا للتسريع بمخطط الضم تحسباً من موقف بايدن من الاستيطان، ولكنه كان يختلف مع نتنياهو حول التوقيت والآلية، نحو التدرج بالمشروع، بينما يتفق غانتس ونتنياهو على مبدأ ضم أراضي الضفة الغربية والأغوار، ومبدأ “يهودية الدولة” وعدم الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم على الأراضي المحتلة العام 1967.
وبينما يبحث كل من “الليكود” و”أزرق أبيض” إمكانية التوصل إلى تسوية لمنع حل “الكنيست” خلال الأيام القادمة، عبر تمرير ميزانية لعامين في بداية العام المقبل، وتأجيل التناوب بين نتنياهو وغانتس إلى أيار (مايو) 2022، وفق “القناة 12” الإسرائيلية، إلا أن ساعر يدفع باتجاه الانتخابات المبكرة التي يعتقد بأنها ستحقق له الفوز الرئاسي، استناداً إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة.
إذ أظهر استطلاع رأي لمعهد “ميدغام” الإسرائيلي، أمس، حصول حزب “أمل جديد”، برئاسة ساعر، على 21 مقعداً (من اصل 120) حال أجريت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية اليوم، ليصبح ثاني أكبر الأحزاب الإسرائيلية، بعد الليكود، وذلك عقب إعلان النائبة، يفعات ساشا بيتون، انشقاقها عن قائمة “الليكود”، وانضمامها لحزب “ساعر”، كثالث عضو كنيست ينضم إليه، بعدما سبقها في ذلك يوعاز هندل، وتسفي هاوزر من تحالف “أزرق- أبيض”.
ولم يتضح بعد نتائج مساعي الحفاظ على الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي، بقيادة نتنياهو، من الإنهيار، مع تزايد احتمال التوجه إلى صناديق الاقتراع في آذار (مارس) من العام المقبل، للمرة الرابعة في أقل من عامين، لاسيما مع تأييد غانتس، الشريك الرئيسي لنتنياهو في الإئتلاف، اقتراح المعارضة الإسرائيلية “لحل الكنيست”.
إذ ما يزال يتعين أن يمر مشروع القانون “لحل الكنيست” عبر عدة خطوات تشريعية قبل الموافقة النهائية عليه، بينما هناك مساحة لمجموعة واسعة من المناورات السياسية قبل أن يتم إجراء انتخابات.
وفي ضوء المشهد الإسرائيلي الداخلي؛ فإن الدعوة الأميركية لإستئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية لن تكون سهلة، سواء في ظل الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي بتشكيلته اليمينية الحالية، أم في حال إعادة تشكيله باستبعاد بعض مكوناته، أو في حال انفراط عقده وإجراء إنتخابات مبكرة، قد تعيد للواجهة حزب “أزرق أبيض”، وشركائه من معسكر الوسط.
كما يطل جدعون ساعر، المنافس الشرس لنتنياهو، في واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي بأفكاره اليمينية المتطرفة حول مخرجات أي عملية سلام قادمة، وشكل الكيان الفلسطيني المستقبلي، والتي قد تدمر أي جهود لإستئناف العملية السياسية،
وفي جميع الأحوال؛ فإن عدم تسليم الحكومة الإسرائيلية الحالية بالدعوة الأميركية المرتقبة لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين قد يزعزع فرص ائتلافها الحكومي بالبقاء ويدفع باتجاه الذهاب لانتخابات مبكرة، مثلما يعني الصدام المبكر مع بايدن، وهو أمر لا يرغب به نتنياهو ويعمل على تفاديه، عبر إيجاد توافق معين مع واشنطن حول تلك المسألة.
ولعل ذلك يكشف بأن استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لن يكون سهلاً، في ضوء المواقف الأميركية والإسرائيلية والفلسطينية المتعارضة، لكنه لا يعني أن تفشل إدارة بايدن بأول خطواتها في هذا الصراع المتواصل، مما قد يجعلها تذهب باتجاه تفكيك الملفات العالقة فيه، تحضيراً لتحقيق الهدف الأهم وهو العودة لطاولة المفاوضات، وفق الأكاديمي الفلسطيني الدكتور عدنان أبو عامر.
رسائل التطمين الفلسطينية
وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية غارقة حالياً في مشاكلها الداخلية، ولكنها لا تجد ضرورة لتقديم أي تنازلات حيال عملية السلام أو التراجع عن مشروعها التهويدي الاستيطاني في الأراضي المحتلة، بخاصة القدس المحتلة، فإن السلطة الفلسطينية تسير في اتجاه آخر مغاير.
فقد سارعت القيادة الفلسطينية الرسمية إلى تقديم الرسائل الاستباقية إلى بايدن لتأكيد استعدادها بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وعودة علاقاتها مع سلطات الاحتلال، بما فيها التنسيق الأمني، وهو الأمر الذي جوبه بمعارضة فصائلية وشعبية فلسطينية واسعة، مما خلق فجوة عميقة بين الطرفين.
وخلافاً لرأي الفصائل الوطنية والشارع الفلسطيني؛ فإن القيادة الفلسطينية تراهن على الإدارة الأميركية القادمة لتحريك المسار السياسي، وطي صفحة إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، التي أغلقت الباب تماماً أمام استئناف عملية التسوية، وأصدرت القرارات المضرة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وغضت الطرف عن الاستيطان المتواتر في الضفة الغربية.
غير أن الرهان الفلسطيني على بايدن، الصديق القديم للكيان الإسرائيلي، قد لا يكون مبرراً، بل خطيراً يمس الحقوق الفلسطينية، بحسب المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات”، أمام القيود المحيطة بتحركه تجاه الفلسطينيين، والممثلة بقانون يعد منظمة التحرير “منظمة إرهابية”، بما يحتاج فتح مكتبها إلى إذن جديد من الرئيس الأميركي كل ستة أشهر، وقانون “آتكا” الذي يجعل متلقي المساعدات الأميركية تحت الولاية القضائية الأميركية، ما يعني التعرض لملاحقات وقضايا تجعل عدم تلقيها أفضل؛ فضلاً عن قانون تايلور فورس الخاص برواتب الأسرى وأهالي الشهداء.